كيف سيبني الليبيون دولتهم وسط "حقل ألغام"؟





طرابلس - يواجه الليبيون، بعد إسقاط نظام معمر القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تحدياً كبيراً يتمثل في بناء دولة جديدة وديمقراطية، ففي نهاية شهر يونيو/ حزيران المقبل ستم انتخاب 200 عضو جديد للجمعية العامة الليبية، التي ستحل محل المجلس الوطني الانتقالي وستتولى وضع مسودة دستور ليبي جديد.

ومن المتوقع أن يشهد شهر مايو/ أيار من عام 2013 ،على أقل تقدير، انتخابات رسمية منتظمة سيتمخض عنها برلمان وحكومة جديدين في ظل الدستور الجديد.

إلا أن مشروع بناء دولة حديثة بدستور جديد ومؤسسات وبنيات اقتصادية فعَالة ليس بالأمر السهل، لانعدام دعائم قوية لذلك، "فقد عمل القذافي من خلال السياسة الجماهيرية الشعبية على إقصاء المؤسسات التي لا يمكن الاستغناء عنها لبناء دولة ديمقراطية"، بحسب غونتر ماير، مدير مركز أبحاث العالم العربي التابع لجامعة ماينز الألمانية. وكان القذافي يلجأ إلى القضاء على جميع القوى التي يمكن أن تشكل خطراً عليه وعلى عائلته في الساحة السياسية.

وبغية إنجاح عملية بناء دولة ديمقراطية حديثة يجب على المجلس الانتقالي الليبي أن يعمل، أولاً وقبل كل شيء، على تجاوز الأزمة التي يعيشها الآن. فالقبائل والمليشيات تتبع سياستها الخاصة وتعمل باستقلالية عن المجلس الانتقالي ودون تنسيق معه. كما أن المجلس الانتقالي نفسه لا يعرف ماذا يريد بالضبط، وهذا يعمق الأزمة أكثر. وتعرض المجلس أكثر من مرة للنقد بسبب بعض قراراته، ليستدرك بعدها الأمر ويلغيها، مثل قانون منع تأسيس أحزاب ذات خلفية دينية.

كما تبدو نتائج التحقيقات حول التجاوزات وعمليات السطو، خاصة إبان الثورة، مخيبة للآمال. ويقول فولفرام لاخر من المعهد الألماني للسياسات الأمنية والدولية إن "المجلس الانتقالي الليبي لم يوضح بعد العديد من الأمور بخصوص الجرائم التي وقعت إبان وبعد الحرب الأهلية".

 ويتخوف لاخر من أن تستمر المواجهات المسلحة وأن ينصّب المواطنون أنفسهم قضاة نتيجة غياب قضاء مستقل. يذكر أن المجلس الانتقالي صادق مؤخراً على قانون يقضي بسجن المقاتلين من أتباع القذافي وبمنح الحرية لمعارضي القذافي. ويرى فولفرام لاخر أن هذا القرار" ليس إشارة جيدة ولا يدعم عملية الانتقال إلى عدالة وقضاء مستقلين، اللذان تحتاجهما البلد بشكل مستعجل".

ليس من السهل بناء حياة سياسية فعالة بعد 40 سنة من حكم القذافي، بسبب حظره للأحزاب السياسية. وقام المجلس الانتقالي في يناير/ كانون الثاني من العام الحالي بإلغاء قانون منع تأسيس الأحزاب السياسية في البلاد، وحتى الآن تقدم 36 حزباً سياسياً لتسجيل مرشحيهم للانتخابات المزمع تنظيمها شهر يونيو/ حزيران المقبل، وكثير من تلك الأحزاب ذو توجه إسلامي. وباستثناء حزب الإخوان المسلمين، فإن باقي الأحزاب الأخرى غير منظمة على نحو جيد بسبب حداثتها، كما يقول الخبير الألماني. غير أن الأحزاب الإسلامية المتطرفة ليس لها أي وزن سياسي يذكر.

وتعتبر مراعاة موازين القوى بين المدن والمناطق القبلية وبين الأقاليم والحكومة المركزية تحدياً حقيقياً للمسؤولين الليبيين، فخلال الثورة ظهرت مجموعة من مراكز القوة في المدن والمناطق القبلية، تدعمها مليشيات محلية، وتهدف إلى وضع حد للهيمنة السياسية والاقتصادية من جانب واحد. كما أن ثوار باقي الجهات الليبية يتهمون المجلس الانتقالي بـ"عدم شفافيته" في توزيع ثروات البلاد، خصوصاً أرباح صادرات البترول.

وحتى الآن فشل المجلس الانتقالي الليبي في إحكام سيطرته على المجموعات المسلحة ونزع أسلحتها، مما يحتم على المسؤولين الليبيين العمل على بناء مؤسسة أمنية وعسكرية جديدة بغية تحقيق الاستقرار والأمن في البلد.

 وفي ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة فإن المواجهات المسلحة بين الجماعات ستظل مستمرة. وفي هذا الصدد يقول فولفرام لاخر "صحيح أن عملية نزع وتسليم الأسلحة بدأت منذ أشهر، إلا أن العديد من المليشيات لم يسلم الأسلحة بعد، لأنها تترقب ما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانتخابات المقبلة".

ويصل عدد الليبيين المؤهلين للإدلاء بأصواتهم إلى حوالي 3.5 مليون نسمة، إلا أن عملية التسجيل تسير ببطء شديد بسبب عدم الإقبال على مكاتب التسجيل. كما أنه ليس لليبيين رأي موحد بخصوص حضور مراقبين غربيين من عدمه للإشراف على سير الانتخابات المقبلة. وفي ذلك يقول فولفرام لاخر من المعهد الألماني للسياسات الأمنية والدولية أن على الغرب ألا يتدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، إلا أنه يمكن أن يقدم نصائح واقتراحات في المجال السياسي والأمني.

ويرى العديد من المختصين أن إجراء الانتخابات بطريق شفافة وديمقراطية هو بيد الشعب الليبي والمجلس الانتقالي فقط.(دويتشه فيلله)
شارك على جوجل بلس