دمشق تنام مبكرا: لا مكان سوى للتفجيرات والخوف




دمشق - عندما يحل الظلام تصبح الشوارع في دمشق خالية مع تحسب الناس للتفجيرات وأصوات النيران والتي كانت يوما مخاطر بعيدة وأصبحت الآن تجلب الخوف والأرق الى قلب العاصمة السورية.

وطوال شهور ظلت الاضطرابات التي شهدتها سوريا العام الماضي عندما تظاهر معارضون للرئيس السوري بشار الأسد للمطالبة بالمزيد من الحقوق بعيدة عن العاصمة السورية حتى مع تحول احتجاجات الشوارع إلى صراع مسلح.

والآن أصبح سكان دمشق يشعرون بأن الاضطرابات تقترب من منازلهم وأن الإحساس بالقلق أصبح ملموسا.

وتهز تفجيرات من حين لآخر المدينة وتراوحت بين تفجير قتل فيه تسعة على الأقل في منطقة الميدان قبل عشرة أيام وتفجيرات ليلية والكثير منها ليس له تفسير.

ويتهم نشطاء قوات الأمن التابعة للأسد بتنفيذ بعض التفجيرات قائلين إنهم يتعمدون التصعيد من الإحساس بالافتقار للأمن في إطار مساع لتصوير الانتفاضة الشعبية على أنها حملة عنف ينفذها مقاتلون مدعومون من الخارج.

وهم يقولون أيضا إن الجنود وأفراد الشرطة نفذوا حملات اعتقال في دمشق خلال محاولات لقمع احتجاجات سلمية استمرت شهورا وأطلقوا النار على المحتجين وقصفوا ضواحي شرقية في العاصمة طوال أسابيع لإجبار مقاتلي المعارضة على الخروج منها.

وفي قلب المدينة طوقت الأسوار عدة مبان حكومية ويجري إغلاقها في أيام الجمعة حين يتدفق المصلون بعد صلاة الجمعة للمشاركة في الاحتجاجات هنا وفي شتى أنحاء البلاد للمطالبة بإنهاء حكم عائلة الأسد المستمر منذ 40 عاما.

وقالت مرفت البالغة من العمر 33 عاما والتي يعمل زوجها في تجارة الأقمشة بوسط دمشق "من الناحية الامنية ربما ما زال حالنا لا بأس به هنا في دمشق لكن إلى متى. نشعر أن (الاضطرابات) تقترب أكثر وأكثر".

وأضافت "صوت كل هذه الأعيرة النارية يروع الأطفال. قبل ثلاثة أيام كانت هناك اشتباكات في شارعي".

كما يتحدث السكان عن اغتيال عدد من ضباط الجيش والمدرسين وآخرين ينظر لهم على انهم قريبون للسلطات.

وفي أحياء تمتد من وسط دمشق إلى الضواحي والبلدات الشرقية التي تقع على بعد كيلومترات محدودة خارج العاصمة يقول سكان إن أصوات الأعيرة النارية تجعلهم يظلون مستيقظين أغلب الليل.

وقال صاحب متجر عمره 46 عاما في دمشق في إشارة إلى الاضطرابات "إنها تقترب. منزلي قريب للغاية من بلدة جوبر. أشعر أنني سأستيقظ في إحدى الليالي لأجد المسلحين على عتبة بابي" مضيفا أنه ليس من الواضح من الذي يطلق النار.

ومضى الرجل الذي طلب عدم نشر اسمه يقول "لا يهمني من السبب.. هذا لا يهم الآن. حياتنا دمرت. نريد نهاية لهذا. نريد أن نعيش في سلام".

ويقول معارضو الأسد إن قوات الأمن هي المسؤولة عن أغلب أعمال العنف بما في ذلك التفجيرات.

وقال عمر وهو نشط مناهض للحكومة في دمشق "كل هذه التفجيرات التي نسمعها ليلا هي قنابل صوت. النظام يريد أن يشعر الناس بالخوف. إنه يحكم بالخوف".

وتحدث سائق سيارة اجرة عن كيف أنه أصبح في مرمى النيران خلال معركة بين مسلحين وقوات حكومية بينما كان يقل راكبا من دمشق إلى بلدة حرستا المجاورة.

وقال "اتصلت بزوجتي ووالدتي وطلبت منهما أن تسامحاني لأنني كنت متأكدا أن تلك هي لحظاتي الأخيرة".

ويقول سكان آخرون إن سرقات السيارات زادت في المدينة حيث كانت معدلات الجريمة منعدمة تقريبا قبل عام ويقولون إنهم يعتقدون أن كلا من شبيحة الحكومة ومقاتلي المعارضة يسرقون السيارات لاستخدامها في شن هجمات على الطرف الآخر.

وقال سائق سيارة أجرة في دمشق إن مسلحين أوقفوا شقيقه وأخذوا سيارته. وبعد أيام اتصلوا به وطلبوا منه أن يحضر ليأخذها في بلدة دوما خارج دمشق حيث أعادها له مسلحون ملثمون. وقال "أعادوها لكنهم لم يقولوا في أي غرض استخدموها".

وإلى جانب تدهور الأوضاع الأمنية فإن الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها الاضطرابات المستمرة منذ شهور والعقوبات الغربية زادتا من صعوبات الحياة اليومية بالعاصمة.

وقالت مرفت في منزلها بحي متوسط وهي تهمس حتى لا يعرف ابناها وهما في السابعة والتاسعة بقلقها "خلال الأشهر القليلة الماضية تدهور عمل زوجي بشدة".

وأضافت "لجأنا إلى مدخراتنا خلال الشهرين الماضيين. أريد أن أغادر البلاد إلى أن تتحسن الأوضاع لكن زوجي يقول إن هذا هو بيته وإنه لن يتركه".

وقال أحمد وهو مهندس كمبيوتر يعمل في الخارج وكان يزور عائلته في حي الميدان إن الناس أتعبتهم الاضطرابات. وأضاف "إنهم يريدون حقا أن تنتهي هذه المسألة. نحن مستنفدون.. وبلادنا استنفدت واقتصادنا استنفد".

وتوقفت سوريا عن نشر الإحصاءات الاقتصادية قبل عام مما يجعل من الصعب تقييم أثر الاضطرابات. لكن صادرات النفط إلى اوروبا توقفت مما كلف سوريا ثلاثة مليارات دولار طبقا لتقديراتها وانهارت عائدات السياحة كما تضررت قطاعات مثل التجارة والصناعة والأعمال.

وقال لؤي حسين وهو نشط في المعارضة "بلغ الاقتصاد أدنى مستوى والمجتمع منقسم... البطالة مرتفعة جدا الآن. أعتقد أنها بلغت 80 في المئة. لا يوجد عمل. لا توجد تجارة. لا شئ يعمل".

وتابع "لم يعد لدى البعض المال لشراء الاحتياجات الأساسية وهم يعيشون على إعانات الآخرين".

وزادت الأسعار لأكثر من الضعف كما أن سلعا غذائية رئيسية مثل السكر والأرز واللحوم ترتفع أسعارها بشدة. وقال البعض إنهم يخزنون مواد غذائية تكفي لمدة شهر على الأقل.

وقال جميل البالغ من العمر 35 عاما "إذا تدهور الوضع الأمني أكثر فربما أظل داخل بيتي غير قادر على الخروج لمدة اسبوعين على الأقل.. لذلك فإنني احتفظ دائما بما يكفي من الطعام المعلب".

وفي سوق الحميدية التقليدي تحدث التجار عن بطء الحركة التجارية. ووضعت صور جديدة للأسد على الجدران وأبواب بعض المتاجر.

وقال صاحب متجر طلب عدم نشر اسمه "هناك عدد محدود من السائحين الذين يحضرون للبلاد.. البعض من الإيرانيين والباكستانيين. أعداد هؤلاء ليست كافية لإنعاش السوق".

وفي الحي القديم بدمشق كانت المتاجر والمخابز والمطاعم والمقاهي مفتوحة هذا الأسبوع. بعضها كان ممتلئا والبعض الآخر شبه خال.

وفي أحد المقاهي كان ثلاث من النساء يتباحثن أمر الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر التي أطيح فيها بالرئيس حسني مبارك خلال انتفاضة شعبية العام الماضي.

وقالت امرأة تضع مساحيق تجميل وترتدي قميصا بلا أكمام "هؤلاء المصريون المساكين. دخل مستقبل بلادهم المجهول. هؤلاء الإسلاميون سوف يحولون حياتهم إلى جحيم".

وقالت صديقتها "إنهم قادمون إلينا نحن أيضا" مشيرة إلى النبرة الإسلامية المتزايدة لحركة المعارضة التي اندلعت في مارس اذار من العام الماضي مطالبة بقدر اكبر من الحرية مضيفة "انتظري حتى يحكموننا".

وقال صاحب مطعم شهير في وسط دمشق إن التجارة تراجعت 70 في المئة منذ بداية الاضطرابات.

وأضاف "الوضع صعب جدا الآن. انظروا حولكم.. اليوم هو الجمعة وعادة ما يكون المطعم محجوزا بالكامل لتناول الغداء أو العشاء".

ولم يكن في المطعم سوى مائدة واحدة يشغلها زبائن.(رويترز)
شارك على جوجل بلس