المغرب يرفع سعر المحروقات: دعم للفقراء أم إمعان في بؤسهم؟




الرباط - تُـواصل الزيادة التي أقرّتها الحكومة المغربية في أثمان المحروقات تداعياتها على البلاد، من قلق حول مصير القُـدرة الشرائية للمواطن، نظرا للارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الاستهلاكية الأخرى، رغم تشديد الحكومة على ملاحقة أيّ زيادات غيْر قانونية.

إلا أن القرار، رغم ما يثيره من احتجاج اجتماعي، كان بالنسبة للاقتصاديين، ضرورة على طريق إنهاء "صندوق المقاصة"، الذي كانت تتولّى الدولة من خلاله دعم أسعار مواد الاستهلاك اليومي للمواطن.

وقال عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة المغربية، الذي راهن في هذا القرار بشعبيته "إن الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة بشأن الزيادة في أسعار المحروقات، واجبة ولازمة وضرورية، على الرغم من أن لها، بلا شك، آثار سلبية على ميزانية أي مواطن".

وأوضح بن كيران أن الزيادات "ستكون ذات أثر ليس بالهيِّـن على المواطنين العاديين، والذي يمكن تحمّله بشكل أو بآخر، بالنظر لكون أسعار النفط تضاعفت سِـتّ مرات خلال السنوات الأخيرة"٬ إضافة إلى أن المحروقات أصبحت تكلِّـف الدولة المغربية أموالا طائلة٬ وأن مواصلة دعم هذه المادة وِفقا للنهج الجاري به العمل، ستكون له "انعكاسات وخيمة".

وقال "نحن نعرف أن هذه الإصلاحات لها كلفة شعبية، لكن المهِم بالنسبة للحكومة، هو أن وضع الحكومة القِطار على السكة الصحيحة، وتصحيح اختلالات سنوات من التدبير بنوع من الشجاعة السياسية".

"تظاهرات الغضب"

في الأرقام، يقول محمد نجيب بوليف، وزير الشؤون العامة في حكومة بن كيران، بأن الحكومة السابقة تركت للحكومة الحالية 14 مليار درهم (حوالي مليار ونصف مليار دولار) متأخِّـرات لصندوق المقاصة، أما الحكومة الحالية، فقد انطلقت بعجز يُقدر بـ 6.1%، ولو استمرت السلطات على نفس المِنوال، فمن الممكن أن تصل نِسبة العجز إلى 8%.

وكشف بوليف أن الزيادة في المحروقات، التي قررتها الحكومة، ستضخ 5 مليار درهم في صندوق المقاصة فيما ستوفر الحكومة 5 مليار درهم من نفقات التسيير، بفضل منطِق الحَـكامة في تسيير مؤسسات الدولة، كما أنها ستجني مداخيل أخرى من الضرائب لدى الشركات، فضلا عن ضرائب أخرى من الباقي استخلاصه.

وعلى إثر دخول قرار الزيادة في أسعار المحروقات حيِّز التنفيذ، ارتفعت أسعار بعض المنتوجات الغذائية، خاصة الخُضر والفواكه، ما بين 20 و50%، وقرّرت نقابات مِـهَـن النقل رفع تعريفة النقل ما بين 10 و7%. وبالإضافة إلى تذمّر المواطنين، خرجت نقابات في تظاهرات أطلقوا عليها اسم "تظاهرات الغضب"، كما شنّت احزاب المعارضة حملة إعلامية على بن كيران وحكومته.

صندوق المقاصة.. مشروع خاطئ

ومع أن ما يقوله بن كيران وما يشرحه بوليف، لا يختلف حوله الخبراء الاقتصاديون المغاربة، وحتى المعارضون للحكومة وللحزب الرئيسي فيها، إلا أن هؤلاء المعارضين لا يُـخرجون القرار عن السياق التاريخي لصندوق المقاصة ودورِه ويتساءلون أيضا عن موقع القرار في مسلسل إصلاحات، يجب أن تـدخله البلاد، للذهاب نحو اقتصاد سليم في بلد ديمقراطي.

الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصْـبي يعتقد أن صندوق المقاصة كفِكرة مشروع خاطئ، ولم يُوجد أساسا لصالح الفقراء بقدر ما وُجِـد لدعم الدولة للرأسمالية والمقاولات (أي الشركات والمؤسسات الإقتصادية عموما)، لأنه أقيم نتيجة نمط تنمية رأسمالية، بدعم أثمنة مواد يستهلكها عامة المواطنين، للحفاظ على الحدِّ الأدنى للحياة بالأجور المنخفضة، التي يتقاضونها من المقاولة.

 كما يشير إلى أن قرار إلغاء صندوق المقاصة، بقدر ما هو قرار سليم، إلا أنه يأتي تلبية لتعليمات منظمة التجارة العالمية، باعتبار أن الدعم غير المباشر للمواطنين عبر ما توفره الحكومة من دعم لأسعار المواد الأساسية، يتنافى مع قانون اقتصاد السوق، وأساسا قانون أسعار اليد العاملة، التي اتبعتها الدولة في إطار حماية الإنتاج وتخفيض تكاليفه، لتحسين القدرة التنافسية للمنتوج المغربي عموما.

اقتصاد الحاكم يدفع إلى الإحتكار

ويقول اقصبي "إن صندوق المقاصة هو نتاج طبيعي لنمط الإنتاج الرأسمالي في الدول المتخلِّـفة، التي وُجدت لخدمة رأسمالية لا يهمّها سوى الـرّبـح، والذي أفرز تبعية للغرب من خلال تخصيص الإنتاج للتصدير لأسواقه وحاجيات هذه الأسواق، ثم الفقر الذي وصلت أرقامه إلى حد الجريمة".

ويضيف أقصيبي أنه "في بلد مثل المغرب، عدد سكانه 32 مليون تقريبا، يوجد به حسب الإحصائيات الرسمية 14 مليون فقير، ثم سوء تدبير المالية العمومية من اختيارات ضريبية لصالح المقاولات وتدبير النفقات العمومية وارتفاع المديونية، كل هذا إلى جانب اقتصاد الريع والفساد السائد وتزاوج المال والسياسة، لتصبح السياسة العامة في البلاد لخِدمة اقتصاد الحاكم ومصالحه، وبالتالي، يدفع باتجاه الاحتكار المنافي لقِيم السوق واقتصاد السوق، حيث أن الحاكم يحتكر إنتاج وتسويق كل المواد المُدعّمة من صندوق المقاصة، باستثناء المحروقات، التي تحتكرها شركة سعودية".

المستفيدون الرئيسيون.. هم الأغنياء

في سياق متصل، يتفق الخبير الإقتصادي المغربي نجيب أقصبي مع غيره من الباحثين، من أن الزيادة في أسعار المحروقات، تؤثر سلبيا على الفئات المتوسِّطة، التي يجب مراعاتها، رغم أن المستفيدين الرئيسيين من دعم أسعار تلك المواد، هم الأغنياء.

كما أن الفقراء يتضرّرون من هذا القرار، ليس بفعل الزيادة في حدِّ ذاتها، وإنما بفعل المضاربات. فالزيادة تشكِّـل ارتفاعا طفيفا في كُـلفة الإنتاج (نقل البضائع)، لكنها ستؤدّي إلى رفع أسعار مواد استهلاكية كثيرة، بسبب وجود فئات كثيرة لا تتردّد في المضاربة في الأسعار، لكونها مقتنعة بهوان الدولة وعدم قُـدرتها على فرض قواعد صارمة لحماية المستهلكين وضمان التنافسية المتكافئة.

وفي دراسة حديثة للمندوبية السامية للتخطيط، ورد إن الفرق من الاستفادة من صندوق المقاصة، ما بين الفقراء وغير الفقراء، انتقل من ضعفيْـن (2,1 ) سنة 2001 إلى ضعفيْـن ونصف (2,5 ) سنة 2007، حيث بلغت استفادة الفقراء السنوية من صندوق المقاصة 222 درهما، وحصّة استفادة غيْر الفقراء منه إلى 551 درهما، ويُعزى الإختلال في الإستفادة من صندوق المقاصة بين الفقراء والأغنياء إلى جميع المواد المدعومة، سواء تعلق الأمر بالدقيق المدعوم أو السكر أو غاز البوتان أو باقي المحروقات المدعومة.

وبالنسبة للخبير نجيب أقصبي فإن سلامة قرار إلغاء صندوق المقاصة يظل رهينا بشمولية الإصلاحات الإقتصادية والمالية والإجتماعية في المغرب. وإذا كان يؤخذ على حكومة بن كيران قرار رفع أسعار المحروقات أو تقليص دعم الدولة لهذه المادة قبل إعلان وتطبيق سلسلة إجراءات تتعلق بسياسة الدّعم المباشر للأَسَـر الفقيرة وتلك التي تعيش في وضعية هشّة، فإن هذه الإجراءات وشفافية تطبيقها، تبقى المِـحك الحقيقي لمصداقية الدولة.

"الدعم المالي المباشر.. عملية مُـكلفة"
ويوضح أقصبي أيضا أنه يوجد "في المغرب 5 ملايين فقير، أي ما يناهز مليون أسْرة يُمكن منح كل أسرة منها ألف درهم شهريا، دون أن يتعدى المبلغ الإجمالي المخصّص لها 12 مليار درهم، ما يمثِّل خمُس أو رُبع الغلاف المالي المخصّص للدّعم، مما يُبقي هامشا مريحا من أجل دعم الطبقات المتوسّطة، إذ يمكن منح دعم لهذه الفئات في حدود 500 درهم شهريا لكل أسْرة، ولن يتعدّى المبلغ الإجمالي 12 مليار درهم، باعتبار أن هناك مليونيْ أسرة تدخُل في هذه الخانة.

هذان الإجراءان يُكلفان حسب أقصبي، 24 مليار درهم في السنة، أي أقل من نصف الميزانية المخصّصة لصندوق الموازنة وتجاوز المشكل على المستوى المالي، إذ أن الميزانية المخصصة للدعم كانت تتراوح في السابق ما بين 7 و14 مليار درهم، مما يجعل تقديم الدّعم المباشر، عملية مُكلفة، لأنها كانت ستتجاوز المبالغ المخصّصة للدعم. لكن الميزانية المخصصة لدعم بعض المواد، تجاوزت 50 مليار درهم، أي أكثر من ضعف مبلغ الدعم الذي تتحمّله الميزانية. كما يمكِّـن هذا الإصلاح الدولة من اقتصاد ما بين 25 و30 مليار درهم مع ضمان استهداف الفئات المستحقة دون غيرها.

حذاري من السلوكيات السلطوية

الخبير الاقتصادي المغربي حرص أيضا على التحذير من سلوكيات سُلطوية محتملة في تأمين وتوزيع الدّعم المالي المباشر وإبقاء الفقراء تحت رحمة رجال السلطة، مما سيشجع الخنوع من جهة، والرشوة والابتزاز من جهة ثانية.

في الأثناء، دعا أقصبي الحكومة إلى وضع آلية دعم تحفظ كرامة المواطن، على غرار آلية "راميد" للعلاج، لأن هذا الدعم، وهو مال عام مقتطع من ضرائب المواطنين، ليس منّـة من الدولة وإحسانا، بل واجب عليها تجاه مواطن فَـرض عليه الوضع الاقتصادي ونَمط الإنتاج أن يكون من ذوي الاحتياج. كما طالب بإشراك ممثلين عن هيئة النزاهة ومحاربة الرشوة وأيضا هيئة الشفافية "ترانسبارنسي" ومنظمات المجتمع المدني، في تطبيق هذه الإجراءات.

في الممارسة السياسة، تظل النوايا الحسنة ضرورية، لكنها ليست كافية، وإذا كان لا مفر من الاعتراف بأن قرار إلغاء صندوق المقاصة والذّهاب نحو الدّعم المالي المباشر للأسَر الفقيرة "خُطوة باتت مُـلِحة وضرورية للتوازنات المالية وتجسير الهوة بين الأسرة الفقيرة والحياة الكريمة" كما قالت الحكومة المغربية، فإن رفض الحكومة والأغلبية المؤيدة لها فرض الضريبة على الثروة وعدم تسبيق إجراءات الدعم المباشر على قرار رفْع الأسعار، أدى إلى اهتزاز شعبية بن كيران وحكومته وحِزبه. في الأثناء، تبقى عودة الثقة رهينة بسلامة الإجراءات وشفافيتها والسرعة والعدالة في تطبيقها.(سويس انفو)
شارك على جوجل بلس