غياب دولة المؤسسات.. هل تحتاج السعودية لعقد اجتماعي جديد؟




بقلم: عبدالعزيز الخميس

 يحتاج صنع القرار في الدول المتقدمة إلى بنى تحتية تسهم في تدوير الافكار داخلها وتثمر دائماً عن قرارات تتخذ نسبياً شكل الإجماع والموافقة الشعبية، لكنها في السعودية تعاني من محدودية البنى، والنقص الكبير في حضور الأفكار وتمحيصها ومناقشتها.

هناك عدد من النماذج التي تفعل فعلها في تلافي انسداد الأفق أمام مناورة الأفكار وتبادلها وترشيحها للرقي داخل مستويات صنع القرار السعودي.

النموذج الأول، يتمثل في العقلانية والمنطقية، فتقدم الفكرة لتعبر ضمن استراتيجية محددة، ثم تستعرض البدائل، وتمتحن بكل ذكاء لتسقط البدائل غير المناسبة من العرض، وتصمد الفكرة ضمن استراتيجية مقبولة. وتتم مقارنتها وتعريضها للنقد والامتحان.

والنموذج الثاني، دور الخبراء في دراسة ومراجعة الاستراتيجيات وهذا الدور موجود في دوائر صنع القرار السعودي عبر ادارات تابعة اما في مجلس الشورى الذي يقترح ولا يلزم السلطة التنفيذية بالتنفيذ.

وتلعب ادارة الخبراء في مجلس الوزراء دوراً مهماً في وضع الاستراتيجيات، لكنها تعاني من توليها دوراً مهماً وأكبر من حجمها بل مرهقاً يجعلها غرفة طبخ القرارات التي تقدم لصانع القرار.

كان من المفترض ان يقوم مجلس الشورى بدور مساند ومهم ليزيح عن كاهل ادارة الخبراء شيئاً من العبء، لكن محدودية الصلاحيات تجعل المجلس في موقع المنتظر للملفات لا الصانع لها.

النموذج الثالث والمهم، هو دور التقاليد والقيم في التأثير على تداول الافكار التي تخدم المجتمع. وقد تمثل بعض هذه القيم عوائق ثابتة وراسخة في مجتمع يريد الانطلاق للأمام، لكنه يعاني من حضور القيم ورسوخها، لدى مجتمع يحرص كثيراً على عدم حرق عقد اجتماعي قديم يحتاج لتجديد، وتبدو قيادة المرأة للسيارة أبرز مثال ممانع للتحديث الإجتماعي ومنح حريات أكثر للمرأة السعودية.

تبدو السعودية في الوقت الراهن أكثر حاجة لعقد اجتماعي جديد، وتبدو هذه الحاجة جلية في تصدي المجتمع لصنع السياسات حيث يحتاج ذلك لثلاث مراحل: الصياغة، القرار، التطبيق.

في السعودية لا يشارك المجتمع بمحترفيه وعامته في صياغة السياسات كبرت او صغرت، فهناك إبعاد شامل لرأي الاطراف الكبيرة داخل المجتمع وأهمها الرأي العام والشعب ككل، حيث لا يوفر لهم مسارات واضحة للمشاركة في الصياغة، فمجلس الشورى يتم تعيين افراده من قبل النظام، والإعلام والذي يلعب دوراً مهماً في تدوير الافكار يعاني من فقدانه لحريته، وعدم استطاعته النقد او التصدي لسياسات تقرها الدولة او حتى التدخل في الحوار حول سياسات يجب ان تسارع الدولة لإقرارها وحمل لواء تفعيلها.

وان كانت أغلبية اطراف المجتمع من محترفين او مهتمين او عامة مبعدين عن مرحلة صياغة السياسات، فماذا عن مرحلة اتخاذ القرار، حيث لا حضور لهم، وتنفرد قلة من المسؤولين بصنع القرار والتشريع عبر مجلس الوزراء او القرارات السامية؟

وفي مرحلة التطبيق وتفعيل السياسات يطالب الشعب الذي أبعد سابقاً عن الصياغة والصنع بتبني التطبيق او تقبله، بل يتهم بعدم الولاء الوطني، او ينتقد المجتمع بأنه متأخر عن فكر قادته وطموحهم.

كيف يتهم المجتمع الذي لا يشارك في صنع سياساته بعدم تفانيه في تطبيق السياسات او برفضها او بعدم الحماس والتفاعل معها؟ قبل ان يتهم يجب ان يشرك وعلى نطاق واسع في صياغتها وفق اولويات مهمة وهي اشراك الشعب عبر ممثليه في عملية التشريع والمحاسبة والمراقبة في مجلس الشورى.

وايضاً كيف يتهم الإعلام بعدم توافقه مع طموح الشعب وهو مكبل بقيود الرقابة الصارمة والتدخل في شؤونه من قبل وزارة الإعلام وجهات أمنية مختلفة؟

تفتقد السعودية للعديد من اللاعبين السياسيين الذين لا بد من وجودهم كي تستقيم أسس دولة المؤسسات، وأهمها جمعيات صنع السياسات مثل التكتلات السياسية، والإعلام الحر، ومجموعات الضغط المتنوعة ذات الصبغة الشعبية والعمالية، ودوائر المواقف المتنوعة.

وإن فشلت الدولة الحديثة في توفير كل ذلك لمجتمعها حتى تنوع استراتيجياتها وتصل للأفضل، فستنشأ هذه الجمعيات والدوائر تحت الأرض، وستعمل عبر البرلمانات الافتراضية وعالم السياسة الحديث في شبكات الانترنت وبالأخص مواقع الاتصال الالكتروني كتويتر والفيسبوك اللذين يشهدان حضوراً سعودياً مكثفاً لن يلبث حتى يتسرب الى خارجه، إن لم يكن اليوم، فسيكون في الغد الذي هو لناظره قريب.(ميدل إيست أونلاين)

شارك على جوجل بلس