الإسلاميون وشكل الدولة: اتفاق على عدم الاتفاق




بقلم: محمد العواودة

بقيت الجماعات الإسلامية مختلفة في رؤيتها حول شكل الدولة، ودور الدين في السياسة، وتختلف في مواقفها من قضايا الديمقراطية، والدساتير الوضعية، والحريات، ومسألة العدالة...إلخ، وعلى الرغم من هذا الاختلاف؛ فإنها بقيت تتصالح مع بعضها في الخطوط النظرية العريضة، كاعتقادها بعدم حاجتها إلى الاستفادة من النظم الخارجة عن مضامين التشريع الإسلامي.

بالرجوع إلى الأسس الفكرية لحركات الإسلام السياسي التي تستند أفكارها النظرية إلى فكرة الحاكمية، مثل حزب التحرير ومجمل الحركات الجهادية، فإنها قلما تتحدث عن الدستور بقدر ما تتحدث عن الشريعة، وحاكمية الشريعة، وتستدعي مفاهيم وممارسات تراثية تؤطر لمفهوم الدولة الإسلامية، والمواطن المسلم الذي يجب أن يقوم إيمانه فيها على أساس عقائدي يكرس لمفهوم شمولي "الأخوة الإسلامية"، وأن تقوم سياستها على أسس السياسة الشرعية التراثية، لا على المشترك السياسي، وأن تقوم نظرتها على أساس الولاء والبراء في التعامل مع غير المسلم لا على أسس المواطنة، وتقسّم الدنيا إلى فسطاطين: فسطاط كفر وفسطاط إيمان، حيث كانت تتجلى هذه المفاهيم وتتضح بصورة أكبر في خطابات بن لادن والسلفية الجهادية مؤخراً.

في حين أن موقف السلفية التقليدية من النظم السياسية يتسم بالائتلاف في أغلب الأحيان، بغض النظر عن المكان الذي تنشط فيه: ففي السعودية مثلاً العلاقة القائمة بين السلطة السياسية والدينية تتسم بالتوافق والوئام منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى إلى يومنا الحاضر، وفي الكويت كذلك، وفي الأردن، وفي مصر واليمن وغيرها من البلدان.

ورغم رفض السلفية التقليدية العمل ضمن الإطار السياسي المؤسساتي والعمل الديمقراطي، إلا أن نهج السلفية التقليدية في مهادنتها الحكام ومساوقتهم لخيارات بعض أشكال المواطنة في بلدانهم، ووضع فلسفة خاصة للجهاد، أدى إلى صب جام نقد السلفية الجهادية عليهم، فباتوا يصفونهم بالمرجئة، نسبة إلى جماعة الإرجاء المعروفة في التراث الإسلامي بقربها من السلاطين، والتي تقول بتأخير العمل عن الإيمان من أجل ألا تقوم ثورات على أولئك السلاطين، في حين أوصلت المضاربة الإيديولوجية السلفيين التقليديين إلى توصيف الجهاديين بالخوارج، نسبة إلى الفرقة التي كانت تقدم العمل على الإيمان.

ويتفق أبو قتادة الفلسطيني زعيم التنظيم في أوروبا مع المقدسي في رؤيته للديمقراطية، ويهاجم الحركات الإسلامية التي تبنت المنهج الديمقراطي كعقيدة أو آلية من دعاة الأسلمة ، ويرى في هذه المناهج انحرافاً عن نهج الإسلام، ويقول في رسالته "بين منهجين" "فإنهم لأسلمة الديمقراطية أو لتحريف الإسلام، في البداية فرقوا بين العقيدة والديمقراطية، وبين أسلوبها، فهم يزعمون أنهم أخذوا الديمقراطية بآليتها وحركتها وتنظيمها وأسلوبها، ورفضوها عقيدة وأيديولوجية، وهذا التفريق مرجعي عند البعض، وإلا فان الكثير صار ديمقراطياً باعتقاده ...فصار الإسلام إنسانيا بالوضع، دنيوي الأحكام، لا علاقة له بالآخرة، ولا قيمة لضرورة الدين والرضا الإلهي... فكل قانون وإن كان يلتقي مع الشريعة الإسلامية في حده ووضعه، وفرض عن طريق البرلمان وخيار الشعب، لن يكون إسلامياً، بل هو قانون طاغوتي كفري".

ولا تختلف نظرة أبو مصعب الزرقاوي (زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) صديق المقدسي ورفيق سجنه إلى الديمقراطية، ومن عمل بها فهو لا يعترف بغير الله مشرعاً، سواء كان هذا المشرع عالماً أو حاكماً أو نائباً برلمانياً أو شيخ عشيرة، ويعتبر كل من يعمل بغير شرع الله ويعمل وفق القوانين المدنية مشركا بالله.

لا تبتعدُ كثيراً نظرة حزب التحرير الإسلامي عن نظرة السلفية الجهادية والحركات الإسلامية سليلة فكر قطب إلى الأحزاب والجماعات الإسلامية التي تؤمن بالعمل السياسي من داخل السياق الوطني، إلا أن الحزب ورغم أنه لا يؤمن بالعمل الديمقراطي والحدود الضيقة للجغرافية الإسلامية، فإنه وإن كفّر الأنظمة لا يكفر الجماعات التي تتعاطى مع مؤسسات العمل السياسي الوطني، وإن كان ينقدها بشدة تحت طائلة تصنيفها بجماعات تغيير الواقع.

وتبرُز جماعة الإخوان المسلمين، لقرب مؤسسها من موضوعات الإصلاحيين الإسلاميين، إلا أن البنَّا لم يسلك طريقة شيخه رشيد رضا في التنظير لإقامة خلافة إسلامية طوباوية التحقيق، ولم يجنح مطلقا لمقالات الإصلاحيين الأوائل (الدولة الدستورية الوطنية) بقدر ما أرادها دولة دستورية إسلامية، وإن خضعت لمعايير التمثيل النيابي، منطلقاً في ذلك من مفهوم محوري في طبيعة السلطة، وهو وحدة السلطة في النظام الإسلامي - جازماً البنَّا في ذات الوقت - أن الحكم النيابي، برلمانيا كان أو غير برلماني لا يرفض وحدة الأمة كما فرضها الإسلام، إذا كان لون الحياة الاجتماعية واحدا في أصوله واتجاهاته العامة، كما هو شأن الأمم الإسلامية جميعا في هذه الأيام، ويتوقع أن يكون خط سير المجتمعات الإسلامية مختلفا حتى وإن عاشت الحزبية إذ ستغلبُ عليها الوحدة.

فالدولة الإسلامية التي تقوم على مقتضى الدستور والشورى ومراقبة الحكام والتعددية الحزبية المعصومة في إطارها الإسلامي؛ هي أهم الأسس والمبادئ التي تقوم عليها فكرة الدولة في فكر حسن البنَّا حتى حينما كان يدافع عن مبدأ المواطنة، وهو مبدأ حديث في الفكر السياسي كان يفعل ذلك من داخل مرجعيته الدينية مجادلا في أن التمسك بالإسلام وجعله أساسا لنظام الحياة لا ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة الإسلامية ولا ينافي الوحدة بين عناصر الأمة. كما لا ينافي العمل بالدستور والبرلمان بصفتهما مستوردات غربية طالما التقت بالشريعة الإسلامية التي يعتبرها "أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثاً وقديماً".

في محاولتهم لحسم علاقة الإسلام بالدولة الحديثة، قام عدد من المفكرين الإسلاميين بتطوير عدد من الأفكار، كان من أبرزهم المفكر التونسي راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية الذي اعتَبر بداية أن وجود السلطة في الإسلام ضرورة اجتماعية. معززا هذا القول بالإضافة إلى دليل الإجماع، بالدليل التاريخي المتمثل في مجتمع أو دولة المدينة بحسب الصحيفة، أو دستور المدينة، يضيف إلى ذلك السلطة الاجتماعية، ويقصد بها سنن الاجتماع بين البشر، التي تقتضي تنظيم أمورهم، لذلك لم يحتج الإسلام إلى أمر بإقامة السلطة، ولكن ما يحتاج إلى تنصيص وعناية، هو الضمانات الأساسية لعدم خروجها عن وظيفته، وهي إقامة العدل.

يقترب من أفكار الغنوشي صديقه المقرب حسن الترابي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي، ففي قضية الحريات الفردية والعامة ناقش الترابي طبيعة الدولة، وكان من الأوائل في الفكر السياسي الإسلامي الذين تبنوا مفهوم المواطنة، ودعوا إلى المساواة بين أبناء الوطن الواحد.

في ذات السياق يقدم حزب العدالة والتنمية (المغربي) أطروحته الإسلامية والسياسية من داخل السياق الوطني؛ فكما جاء على لسان أمينه العام عبد الإله بن كيران، أن حزب العدالة والتنمية هو حزب سياسي بمرجعية إسلامية، بخصوصية مغربية يقترب من الإخوان المسلمين كمدرسة على الأقل في الانطلاقة بعيدا عن الطائفية وإقصاء الآخر، وهو حزب منفتح على الأحزاب كافة بما فيها الأحزاب الليبرالية والاشتراكية، وجميع الأفكار العالمية، ولكن دون إحداث تناقض مع المرجعية الإسلامية أو قطيعة معلنة مع الفكر الإسلامي كما في حزب العدالة والتنمية التركي.(مركز المسبار للدراسات)
شارك على جوجل بلس