الأسماء التركية تنقذ العراقيين من "لعنة" ملوك الطوائف!




الموصل (العراق) - لم يعد اسما "عمر" أو "عثمان" مناسبين للمرحلة الحالية، فالعراقيون يبحثون عن أخرى محايدة لا تثير حفيظة ملوك الطوائف ولا تسبب لحامل الاسم قتلا على الهويّة. هل هو تنبؤ شعبي لحرب دموية مقبلة، أم هي محاولة استباقية لنزع فتيلها؟

يتجنب أهالي الموصل منذ سنوات اطلاق أسماء شخصيات تاريخية سنية أو شيعية، على المواليد الجدد، ذكوراً او إناثاً، بحسب ما تؤشّره مديريات الاحوال المدنية في نينوى.

وبدأ هذا "الميل الشعبي" بحسب موظف في دائرة الاحوال المدنية في نينوى في مطلع سنة 2008، عندما كانت تداعيات الاحتراب الطائفي تخف، وتعود مياه المواطنة العراقية الى مجاريها في معظم مناطق البلاد.

ويقول الموظف الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن العشرات من بيانات الولادة بدأت تصل منذ ذلك التاريخ الى الدائرة التي يعمل فيها، وهي دائرة تختص بمنح بطاقات الهوية لمواطني الجانب الأيسر لمدينة الموصل. ويضيف أن "معظم الاسماء التي فيها حيادية من حيث مرجعياتها التاريخية وغير مختلف عليها بين السنة والشيعة".

ويؤكد الموظف بأن أسماء مثل "محمد، وعبدالله، ومريم" هي الشائعة اليوم، ويتابع مبتسماً "لا خلاف بين السنة والشيعة على هذه الأسماء".

انتقاء اسماء محايدة لا يفسره هذا الموظف بأن الناس نسوا الخلافات ووضعوا أوزار الحرب الأهلية وذكرياتها الأليمة وراءهم، بل على العكس، يراه ينبع من خوف العراقيين من تجدد الحرب، ربما في وقت قريب. ويقول إن "الاهالي مطمئنون تماماً من أن أسماء كهذه لن تؤدي الى مقتل أصحابها على الهوية مستقبلاً".

وفي مستشفى السلام شرق مدينة الموصل، كانت غرفة بيانات الولادة التي تتصدر الممر الرئيسي تعج بالمراجعين صباح الثلاثاء 15 أيار/مايو الماضي.

وكان موظف في عقده الخامس، يمارس عمله الروتيني اليومي في استلام قصاصات أوراق مصلحة التوليد أو غرفة العمليات، مدون فيها جنس المولود واسمه مع اسم الأبوين وساعة الولادة.

ويشير الموظف إلى أنه رصد بالفعل توجها نحو إطلاق أسماء بعيدة عن الصبغة الطائفية على المواليد الجدد، كما ان هنالك أسماء جديدة ظهرت، لم يكن قد سمع بها من قبل، كاسم "عناق" مثلا.

ومن بين عشرين بيان ولادة في مستشفى السلام كان واحد منها فقط يحمل اسم "عمر"، وهو مختلف عليه بين الفريقين الإسلاميين، وكذلك كان هناك اسمي "علي" و"حسين" وهما يحظيان بقدسية لدى الشيعة، ويسمي بهما السنة كذلك.

الأمر ذاته لمسه المراسل في مستشفى البتول للنسائية والتوليد في جنوب المدينة، إذ من بين 22 بيان ولادة عثر على ستة أسماء بمرجعية دينية تاريخية واحد منها فقط يسميه السنّة فقط وهو "عثمان". والبقية أسماء حيادية ومقبولة لدى جميع الفرق، أو جديدة لم تكن معروفة من قبل كـ "زينة"، ورنين"، و"أناسي"، و"صفد".

ويقول الكاتب والباحث جرجس ثامر "كلها إجراءات للحفاظ على الجيل القادم من حرب طائفية". ويوضح أن أقسام الشرطة في السابق سجلت حالات قتل كثيرة لمجرد ان الاسم ذا مدلول سني أو شيعي.

ويضيف "توصلت نسبة كبيرة من المجتمع في نينوى ذات الغالبية السنية، الى الابتعاد عن إطلاق أسماء في ذلك المنحى مثل عثمان، أبو بكر، معاوية، سفيان، عمر، وعائشة".

ويلفت جرجس إلى ظاهرة سبقت الأسماء الحيادية، هي تبديل الاسم أو ما يعرف بازدواجية الاسم "فكثيرون الآن يحملون اسمين، الأول عائلي يتوافق مع المذهب الديني والعرف القبلي، وهو مثبت في بطاقة الهوية الرسمية، وآخر في بطاقة هوية مزورة، يتوافق مع طبيعة المنطقة التي يعمل فيها الشخص".

ويسوق جرجيس أمثلة على ذلك، في سائقي الشاحانات أو سيارات الاجرة من ساكني نينوى، الذين يتوجب عليهم التنقل بين محافظات شيعية، وكذلك الحال بالنسبة للسائقين من محافظات ذات اغلبية شيعية، القادمين الى نينوى او غيرها.

وأقرب نموذج لنظرية جرجس، كان شخصا التقيناه في الموصل ويدعى "صدّيق"، وهو لقب الخليفة الراشدي أبو بكر، أول الخلفاء بعد النبي محمد، والشخصية التاريخية المختلف عليها بينها السنة والشيعة.

ويقول صدّيق بأن أخاه الشاب قتل على أيدي متطرفين في العام 2007 على الطريق بين بغداد والموصل، وكان يعمل سائقاً لسيارة أجرة، لمجرد أنه يحمل اسما سنيّا صريحا "عمر". وبنبرة حزن تابع صدّيق "ذات الأمر حدث مع كثيرين من الشيعة، قتلوا عند سيطرات وهمية لمليشيات سنيّة".

ويعمل صدّيق كذلك سائق أجرة في ذات الطريق الذي ابتلع أخاه، لكنه يحمل بطاقة هوية باسم آخر، قد ينقذه من الموت في أي لحظة.

وجمع مراسل "نقاش" شاهدات ومعلومات جمعها في نينوى، تظهر أن ازدواجية الاسم ليست محصورة بالسنة او الشيعة، بل إن طوائف أخرى حذت حذوهما أيضا كالايزيديين الذين يسكنون غرب الموصل في قضاء سنجار، وكذلك شمالاً في شيخان وشرقاً في بعشيقة.

هؤلاء أيضاً، تعرض العشرات منهم الى القتل على الهوية في فترة انعدام الأمن في الموصل بين 2004 و2008، خصوصاً ان أسماءهم مميزة ويسهل معرفة تبعيتها الدينية، مثل "جردو، ومشكو، وخديدا"، والامر ذاته ادى الى هجرة تامة للإيزيدية عن مدينة الموصل مركز المحافظة، ومازال العديد من المضطرين للمرور بالمدينة يحملون أسماء أخرى، غير مميتة.

ويعود تبديل الأسماء في العراق إلى فترة سقوط النظام العراقي في العام 2003 عندما ظهرت إلى السطح أعمال انتقامية ضد من كان يناصر ويوالي النظام السابق.

يقول أحد موظفي الأحوال المدنية الذي سبق له أن شهد معاملات تغيير أو إبدال أسماء وفقا للظروف السياسية إن دوائر الاحوال المدنية في العراق، وهي تتبع وزارة الداخلية، كانت أبوابها مشرعة لطلبات التبديل في 2003. وفي هذا الصدد يعلق قائلا "انتاب الناس جنون إبدال الاسم آنذاك".

ويشير إلى أن سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين أذهب معه آلاف السجلات لأشخاص يحملون اسماء من نوع: "صدام" أو "بعث" أو "عروبة".

ويشرح الموظف أن وزارة الداخلية حدّت كثيرا من ترويج معاملات تعديل الأسماء منذ عام 2005 وذلك للمحافظة على سجلات دوائر الاحوال المدنية من العبث، بحسب تعميم من الوزارة في حينها.

ويقول "كثير من السنة الذين يعيشون في مناطق شيعية لجؤوا حينها إلى تبديل اسماءهم والعكس صحيح، لكن من خلال تزوير الوثائق".

رصد وعد الأمير التدريسي في كلية الآداب جامعة الموصل ظاهرة أسماء المواليد في عراق ما بعد 2003، وهو الاكاديمي الوحيد الذي تطرق للأمر في بحث قدمه مؤخرا في إحدى المؤتمرات الجامعية.

وتجدر الاشارة الى ان الاكاديمي العراقي تجنب الحديث عن المنحى الطائفي او سنوات الحرب، وقارب المسألة من زاوية أخرى تماما. إذ أكد في بحثه على شيوع إطلاق اسماء شخصيات المسلسلات التركية المدبلجة على المواليد في نينوى وغيرها من الاماكن في المنطقة، خصوصا اسم "مهنّد"، بطل أحد أشهر تلك المسلسلات.

ويذكر الأستاذ الجامعي أنه توصل في استبيان أجراه في مدينة الموصل، الى أن المسلسلات التي تعرضها الفضائيات العربية بكثرة منذ أعوام، ولاسيما المتعددة الأجزاء، تؤثر فعلياً على سلوكيات المجتمع وأنماط حياته.

وعلى الرغم من ان الاسماء التي تتردد في المسلسلات التركية هي عربية ومعروفة، إلا أنها وبحسب الأمير، لم تكن شائعة في الموصل قبل 2003، وهو العام الذي سمح باستخدام الصحون اللاقطة (الستالايت) في العراق. ويؤكد ان من بين الاسماء التي بدأت تنتشر "رهيف، روان، ونور وغيرها".(نقاش)

شارك على جوجل بلس