الجزائر على مفترق طرق: من يرث تركة بوتفليقة الثقيلة؟



الجزائر - سمح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لأحد مستشاريه، بالإعلان عن عدم رغْبته في الترشح لفترة رئاسية رابعة، الأمر الذي فتح الباب واسعا أمام مرشّحين آخرين، يملكون الحضور السياسي اللاّزم لإعلان الترشح. فيما فضّل آخرون الصّمت، بل إن بعضهم لا زال مجهول الموقِف لحدِّ الآن.



وكعادة الطبقة السياسية الحاكمة في الجزائر، عندما يتعلّق الأمر بإخبار الشعب بقرارات هامة ومصيرية، فضّل رئيس الدولة أن يُعلن عن قراره في ترْك الحياة السياسية، عبْـر حوار في يومية "الخبر" مع مستشارٍ له، قال بالحرْف الواحد "إن الرئيس الجزائري قد تعِب من سوء الأخبار التي تصِله يوميا ومن فضائح شركة سوناطراك النفطية".

 وأضاف مستشار الرئيس "بوتفليقة لا يرغب في عُهدة رابعة، وهو غير راضٍ عمّا تحقق خلال عُهدته، التي استمرت 15 عاما، كما أنه يفضّل أن يطبِّق الوزراء برنامَجَه، عِـوَض أن يكونوا مجرّد إداريين".

وكما كان متوقّعا، فقد فاجأ هذا الحِوار قلّة من الجزائريين، فيما اعتبر آخرون محتوى الإعلان الرئاسي، أمرا عاديا، لأن بوتفليقة رجل مريض جدا وكثير الغياب، ولم يظهر له أثر أو اتصال مع شعبه بأي شكل، منذ ما يقرب من عامين.

هل سيترشح رئيس الوزراء الأسبق؟

في السياق، استغلّ أحمد بن بيتور، رئيس الوزراء الأسبق، الأجواء السياسية كي يُعلن عن نِيته في الترشح لانتخابات الرئاسة العام المقبل.

وحول نظرة للتغيير السياسي الذي يريده، قال بن بيتور "تصوري أنه يجب توفّر ثلاث شروط أساسية للتغيير. أولها، رأس الدولة الذي يجب أن يكون خادِما للشعب منفتحا عليه. الشرط الثاني، تطوير الإدارة وجعلها أداة طيعة لخِدمة الأمة. والشرط الثالث، هو توفير السقف اللازم من الحريات السياسية والإعلامية".

وفي معرض التعليق على ما قاله بن بيتور، لفت المحلل السياسي كامل الشيرازي إلى أن "ما يؤكد عليه رئيس الحكومة الأسبق، أمرٌ هامّ، وهو في نفس الوقت نابع من رجل دولة أظهَر قُدرة إدارية وتنظيمية كبيرة. لكن، يبقى أن ما يؤكِّد عليه بن بيتور في نفس الوقت، مرشحون آخرون يعرفون أن هذا بالضبط ما يريده الشعب الجزائري في فترة ما يسمّى بالربيع العربي".

من بعد بوتفليقة؟

"التشابه" القائم بين أفكار بعض المرشحين المحتملين - حسب رأي كامل الشيرازي - يدلّ على أن مرحلة ما بعد بوتفليقة ستكون هامّة جدا وحساسة في تاريخ الجزائر الحديث، لأنها ترتبط بتحسين شامل للوضعيْن، الإجتماعي والإقتصادي للبلاد في فترة وجيزة، ويبدو أن غالبية الجزائريين تُراهن بقوة على نجاح هذه التّجربة، بسبب توفّر أموال ضخمة من عائدات النفط.

وفي أحد مقاهي حي الكاليبتوس الشعبي، شرق العاصمة، سألنا مجموعة من الشباب حِيال التطوّرات، التي أعقبت إعلان الرئيس بوتفليقة عدم ترشحه لفترة رئاسية رابعة، حيث يقول محمد الأمين (صاحب محل لبيع الألبسة) "لا يهم من يخلف بوتفليقة، ولكن المُهم أن يكون الرجل قادرا على إعادة الاقتصاد الوطني على السكة وتحسين الوضع المعيشي للناس".

من جهته، يعلق عبد الصمد مقراني على رأي محمد الأمين قائلا "المسألة أعمق من هذا.. تصوَّر أن الدولة شجّعت على غرْس الزيتون منذ سبعة أعوام، وقد غُرست بالفعل ما يُقارب الأربعة ملايين شجرة، وعندما أنتجت هذه الأشجار، لم يجِد مُلاّكها اليدَ العاملة لقطفِها. لقد تبلّد حسّ الجزائريين وصرنا أكسل شعب على وجه الأرض. المال لا يكفي وبناء المصانع لا يفيد، إذا لم نُعِد النشاط في أوصال هذا الشعب".

لقد تعدّت مسألة خِلافة بوتفليقة موضوع صراع على سلطة بين أصحاب القرار في الجزائر، وتجاوزته إلى إعادة هيكلة وتنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بمعنى أن المفاهيم التي جاء بها الربيع العربي، وهي أساسا تتعلق بتشجيع الكفاءات المحلية والإقتصاد المنتج والتعليم ذي الأهداف، قد حدّدت مهامّ الرئيس المقبل، بل وضعته في زاوية حادّة لم يسبق لها مثيل.. فإما أن يُحسن التصرف، وإما أن ينفرط عقد الدولة الجزائرية بالكامل.

توتر اجتماعي في الجنوب

الدليل على ذلك هو الوضع الإجتماعي في جنوب البلاد، حيث امتزجت الإحتجاجات القوية المُطالبة بالشغل والعمل لأهل الجنوب، الذين يُضخّ البترول والغاز من أرضهم، فيما العمالة والإطارات من الشمال.

وقد علمت الرئاسة بالخطر، فأمَـر بوتفليقة رئيس حكومته سلال، بأن يفتح أبواب العمل لأبناء الجنوب ويدقق في أساليب شركات الجنوب، عندما توظِّف عمالها، وألزمها بتوظيف أهل المنطقة، قبل غيرها، بل وألزم والي المنطقة على أن لا يمنح تصريحا بتشغيل مَن هو من خارج الولاية، إلا إذا تعذّر إيجاد خبير بترولي متخصّص في ذلك المنصِب من نفس أهْل المنطقة.

والمُدهش، حسب الكثير من المراقبين، أن رئاسة الجمهورية وبالتنسيق مع شركة سوناطراك ومدارس التكوين المهني، شرعت جميعها في العمل على تكوين شباب وشابات الجنوب في تخصّصات البترول والغاز، في فترة زمنية قياسية، كي ينضمّوا إلى فِرَق البحث والكشف البترولي، في أقرب فرصة ممكنة.

ويعلق بدري جمال (نقابي مستقِل) بقوله "يبدو أن الدولة قد شعرت بالخطر، وخاصة عندما نادت بعض الأصوات بأن الصحراء الجزائرية قد تُطالب بالإنفِصال، وهو أمر مرفوض بطبيعة الحال، لكن يبدو لي أن الدولة قد راعها غضب أهل الجنوب المُسالمين، مطالبين بحقوقهم، واستشعرت الخطر على استقرار البلاد ووحدتها، لكن كان على الدولة أن تفهَم ما يحدُث وأن لا تعمل على وصول الوضع وتعفُّنه بالشكل الذي نعيشه الآن".

جدل واسع بين أصحاب القرار

في سياق متصل، ثمة جدَل واسع نشَب بين أصحاب القرار، بسبب رغْبة بوتفليقة في إجراء تعديل دستوري قبل نهاية العام الجاري، يقترح استحداث منصِب نائب للرئيس ومنح صلاحيات أكبرَ للبرلمان ورئيس الحكومة، أو بمعنى آخر فمن خلال التعديليْن الأخيريْن، يُراد الرّجوع إلى فترة ما قبل بوتفليقة. ومن خلال التعديل الأول، يبدو أن الرئيس يُريد أن يُحقق - من خلال استحداث منصب نائب للرئيس - "حاجة في نفس يعقوب".

فهناك مَن يرى أن بوتفليقة يريد أن يترُك شخصا يُدير البلاد بعد انسحابه من الحُكم، بسبب حالته الصحية المتردِّية، وهناك من يذهب إلى أن "أصحاب القرار" في الدولة لا يريدون تِكرار الوضع الحالي مع رئيس مريض منذ ستة أعوام، لا يمكن عزْله أو انسحابه، إلا بتأكّد عجْزه التام، ما يعني أن عجزه الجُزئي وتعطل مصالح الدولة بسبب ذلك، لم يُعرهما الدستور الحالي أيّ اهتمام، وهو أمر واقع لا يخفي عن المراقبين.

مرشحون من الوزن الثقيل

من  ناحية أخرى، يتداول الجزائريون أسماء عديدة قد تترشّح للإنتخابات الرئاسية المقبلة، من بينها إلى جانب أحمد بن بيتور، سعيد سعدي، الزعيم الأسبق للتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ووزير الاتصال الحالي محمد السعيد ومحمد فوزي رباعين وزعيم الجبهة الجزائرية محمد تواتي وربما زعيمة حزب العمال لويزة حنون.

وهناك مرشحون آخرون من الوزْن الثقيل، مثل رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، ورئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، ووزير الأشغال العمومية الحالي عمار غول أو رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس.

من الناحية العملية، فإن الصِّراع قد ينحصِر في المرشّحين ذوي الوزْن الثقيل، وبخاصة ما بين مولود حمروش وأويحيى وعلي بن فليس وعمار غول، عِلما أن إحصاءات قام بها مختصون في دوائر حكومية، أثبتت أن اثنين منهما (علي بن فليس وعمار غول)، قد يكونان أكثر المرشحين حظّا في الفوز، بالنظر إلى "امتِلاكهما خُططا عملية لا تتفق والأسلوب الإداري والحكومي المُتَّبع في الوقت الحالي"، حسب نفس المصدر .

أخيرا، علمنا أن هناك تفاعُلا إيجابيا لدى أصحاب صُنع القرار مع كل مرشّح يعمل على تفعيل الآلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الجزائرية، دون المساس بالوِحدة الترابية أو تهديدها. ويبدو أن علي بن فليس وعمار غول، أقرب إليها من غيرهما، على أن هناك حسبما يبدو تفضيلا موضوعيا لِمن هو "أكبر سِنا وأكثر خِبرة"، وقد يُفيد هذا التفضيل المرشّح مولود حمروش أو علي بن فليس عندما تحين ساعة الحسم.(سويس إنفو)
شارك على جوجل بلس