كيف فتح "الأصدقاء" أبواب الجحيم أمام السوريين؟


بقلم: فاروق يوسف

لم تحظ معارضة سياسية في التاريخ المعاصر بما حظيت به المعارضة السورية من دعم عالمي غير مسبوق على مستوى التعبئة الإعلامية لصالحها، غطاء إعلامي امتزجت من خلاله حقيقة ما يتعرض له الشعب السوري من إبادة، وقد صار مادة لحرب لا تبدو نهايتها قريبة بمختلف أساليب التضليل والخداع والغش والتزوير الدعائي.


هناك اليوم صحف ومجلات ونشرات وقنوات فضائية ومحطات بث إذاعية، لا عمل لها سوى الترويج لتلك المعارضة الوطنية وتلميع أهدافها النبيلة ومخططاتها وتزويق شخصياتها، ناهيك عن وسائل الإعلام العالمية التي وقفت تلقائياً ومنذ اليوم الأول للأزمة السورية إلى جانب المعارضة، لا لشيء إلا لأن تلك الوسائط قد وجدت في تلك المعارضة ما يعبر عن مواقف الجهات التي تمولها من النظام الحاكم في دمشق.

وهي مواقف كانت ولا تزال تتسم بالعداء، هو إذن لقاء مصالح وجد في الخراب السوري سبباً له.

هل كانت المعارضة السورية محظوظة بتلك الرعاية وذلك الدعم؟

الـ"نعم" لا تكفي، وإن كانت تعبّر عن تحول أخبار ما يجري في سوريا إلى مادة للرأي العام العالمي، وهو رأي يتم تضليله والتلاعب به بيسر.

تلك الـ"نعم" كانت قد أخفت من المشهد ما يمكن أن يجسد الوجه الآخر للحقيقة، وهو الوجه الذي لا يتعلق بحق النظام في الدفاع عن نفسه وعما يعتقده جزءاً من واجبه في الحفاظ على أمن المجتمع وهيبة الدولة، بل يخص الدوافع المريبة التي تقف وراء حماسة الكثير من القوى الاقليمية والعالمية لإسقاط النظام عن طريق القوة المسلحة.

الآن وبعد سنتين من القتل العشوائي والمنظم والخراب الذي لم يستثن متراً واحدا من التراب السوري، صار التفكير بـ"لا" هو الأقرب إلى الواقع.

لم تكن المعارضة الوطنية السورية محظوظة بكل ذلك التجييش الإعلامي والدعائي العالمي الذي نزع من الثورة السورية إطارها السلمي، وجعل الأمور كلها تذهب في اتجاه الاقتتال الداخلي، الذي فتح الباب على مصراعيه أمام مشاركة متطوعين أصوليين ومتشددين، صاروا يقبلون من جهات الأرض كافة، ضمن حملات منظمة، تذكر طريقة انتشارها بالشركات الأمنية التي استعان بها الأميركان يوم احتلوا العراق، وهي شركات توظف مرتزقتها في القتل المحض.

لقد لعبت وسائل الاعلام العربية والعالمية الداعمة للمعارضة دوراً كبيراً في التعبئة الشعبوية المضادة للنظام، وكان لذلك الدور تأثيره سواء في الداخل السوري أو على مستوى التنظيمات والجماعات الطائفية الأصولية والمتشددة.

وإذا ما التفتنا إلى المال الذي تم تخصيصه من أجل الانتقال بالثورة السورية من فضائها السلمي إلى أن تكون محرقة للجميع، يمكننا أن نستوعب العلاقة الجوهرية بين ذلك التجييش الإعلامي وبين ما يجري على الأرض، داخل سوريا وخارجها من تجييش بشري.

كانت قوة الإعلام الناعمة قد مهدت لصورة صراع لم يكن أحد من المعارضين السوريين يتخيل وجودها أو يتمنى الوصول إليها.

طبعاً علينا هنا أن نستثني نوعاً من المعارضين، هو النوع المرتبط بأجهزة المخابرات الأجنبية ـ إقليمية وعالمية ـ والذي لم يكن معنيا إلا بالثمرة التي يلخصها سقوط النظام من غير الإلتفات إلى من يدفع ثمن الوصول إلى تلك الثمــرة.

كانت حماسة وسائل الإعلام العالمية لتصعيد الصراع مغلّفة بالكثير من الوقائع المزورة، وهي وقائع كانت وسائل الاعلام تلفقها من أجل إضفاء هالة مأساوية مبالغ فيها على ما كان يجري على الأرض.

الآن وبعد أن أصبحت المأساة واقعاً، فإن الدرس المستخلص لا بد أن يلقي بجزء من اللائمة على المعارضة السورية التي ارتضت أن تكون فرساً في سباق، كان الهدف منه يكمن في جعل سوريا فضاءً مفتوحاً للإبادة البشرية، التي لا بد أن تقع مسؤوليتها بالنتيجة على عاتق النظام الذي لم يعرف بسجله النظيف في هذا المجال.

وهكذا يكون اللهو الاعلامي بمصائر الناس واحداً من أسباب تعاستهم، لقد فتحت الأيادي الصديقة أبواب الجحيم أمام السوريين.(العرب اللندنية)
شارك على جوجل بلس