السوريون يكررون النفط "منزليا" لحل أزمة الوقود


الموصل - أعمدة دخان أسود وكثيف تتصاعد من قرى سورية محاذية لحدود العراق تبدو لمن يراها أول مرة أنها ناتجة عن قصف عنيف أو تفجيرات هائلة، والحقيقة إن الدخان الكثيف ينبعث عن معامل تكرير النفط المنزلية التي استحدثها السكان لتعويض نقص الوقود.


قبل ما يزيد عن سنتين تمكنت الجماعات المسلحة في سوريا من السيطرة على محافظتي الحسكة ودير الزور المشتركتين في حدود طويلة مع العراق، لتعيش المنطقة على أثرها أزمة وقود حادة، وبعدما تقطعت السبل بالسكان أخذوا يبحثون عن بدائل فوَلدت الحاجة اختراعا هو عبارة عن معامل تكرير صغيرة جدا، حسب موقع "نقاش" الإلكتروني.

تحت كل عمود دخان ثمة معمل أنشأه شخص ما ليكسب منه المال، حتى باتت المهنة الجديدة منتشرة على نطاق واسع في المحافظتين المذكورتين وهي اليوم تمثل تجارة مربحة.

يستيقظ الشاب سعيد الشمري باكراً ليبدأ رحلته اليومية على متن صهريج إلى منطقة "علي أغا" أو "كرهوك الخوالدة" في قضاء القامشلي قاطعاً مسافة (60 كلم) ثم يصطف في طابور طويل تنتظم فيه الصهاريج  والسيارات الصغيرة والكبيرة محملة بالبراميل، وما أن يظفر بحصته حتى يقفل راجعاً إلى قرية خزاعة (40 كلم) غرب معبر اليعربية المشترك مع محافظة نينوى العراقية.

وفي أحد أطراف "خزاعة" أتى أشقاء الشمري بخزان ماء مصنّع من الصفيح لكن بسمك أكبر من المعتاد، ثم وصلوه بأنبوب يبلغ قطره خمسة انشات دفنوه في التراب وتركوا جزأه العلوي ظاهراً ثم غمروه بالماء لأجل التبريد، وبهذه الطريقة البسيطة تم إنشاء العشرات من معامل التكرير في القرية والأمر سيان في باقي القرى المجاورة.

مدرس الكيمياء في إحدى مدارس القامشلي محمود ملحم يوضح كيفية إنتاج الوقود بهذه الطريقة باختصار شديد ويقول "توقَد تحت الخزانات نيران لهيبة لتبدأ عملية تفاعل كيميائي، وكلما ارتفعت درجة حرارة الزيت الخام الى مستوى معين أفرزت الخزانات عبر الأنابيب نوعا معينا من الوقود وهو ما يعرف بعملية فصل المواد المختلفة بالحرارة، فالمرّكبات ذات درجة غليان عالية تبقى أسفل البرج والمركبات ذات درجة غليان منخفضة ترتفع إلى أعلى وتُسحب منه.

سعيد الشمري أحد سكان القرية يؤكد إن مسلحين تابعين لجبهة النصرة وهي إحدى تشكيلات تنظيم القاعدة يسيطرون على آبار النفط مع وجود غير مؤثر لجماعات مسلحة أخرى بعضها ذات طابع عشائري.

"حينما يتعلق الأمر بآبار النفط في الحسكة يتولى مسلحو النصرة حمايتها وبيع النفط الخام على المواطنين وهم أيضا من يحددون الأسعار التي تراوح بين (8-11 دولار) لكل برميل ويعتمد السعر على الحراس المتناوبين على الحراسة والبيع لذا نحرص دائما على إبقاء علاقة ودية معهم لضمان الشراء بأقل الأسعار" يضيف الشمري.

الوقود المُنتج يُباع ضمن المنطقة بضعف أسعار ما قبل اندلاع الثورة، أما بالنسبة لوقود التدفئة (النفط الأبيض) يصل سعر اللتر الواحد إلى 100 ليرة أما البنزين فيباع بسعر 150 ليرة، والديزل بنحو 50 ليرة.

سائقو السيارات أمثال عماد سمير لا يعترضون على الأسعار بقدر تذمرهم من نوعية الوقود الرديئة، "البنزين المنتج من أسوأ ما يكون لدرجة إن معظم السيارات تعطّلت بسبب استعماله، عكس الديزل الذي يُستخدم اليوم على نطاق واسع دون مشكلات" يؤكد سمير وهو ينهمك في تنظيف فلتر البنزين الخاص بمركبته.


ويعلل مدرس الكيمياء محمود ملحم ذلك بأن الوقود يحتاج إلى معالجة للتخلص من الشوائب وإضافة محسنات للحصول على خصائص كيميائية معينة، وهذا غير متوفر في أدوات تصفية بدائية مثل تلك المنتشرة في القرى السورية والتي يتم التمييز بين أنواع الوقود المنتج فيها عن طريق الرائحة المنبعثة منها.

وتوفر هذه المعامل الوقود لعدد كبير من السيارات والماكينات على اختلاف وظائفها، غير أنها تمثل مصدر تلوث بيئي خطير مما دفع الأهالي إلى الشكوى والاحتجاج.

أم احمد اعتادت أن تبالغ في اللثام ولا تُظهِر سوى عينيها لتجنب استنشاق "السم الأسود" كما تسميه منذ أن انتشرت التصفية في قرية سليمة حيث تسكن، وهي توصي أبنائها أن يفعلوا مثلها لكنها تعجز كما تقول عن منع تسلل الدخان إلى المطبخ وغرف البيت.

وعلى خلفية تزايد الاحتجاجات قررت جبهة النصرة منع التصفية من الساعة الخامسة عصراً حتى السابعة صباحاً، حيث دخل القرار حيز التنفيذ منذ شهر.

في المقابل يتجه تجار "التصفية" إلى إدخال آلات أكثر تطوراً، فهم يجربون في هذه الأيام معامل جديدة تعمل بالكهرباء بدل الإحتراق.(ألوان نيوز)
شارك على جوجل بلس