محاولة فهم ما حدث في تركيا: هل انقلب أردوغان على نفسه؟


إسطنبول - يُقال عادة في لغة السياسة إذا أردت معرفة الجهة التي تقف خلف الانقلاب العسكري في بلد ما، انتظر ردود الأفعال في اليوم الثاني، وفي حالة تركيا يمكن القول حتى الآن إن الجهة الوحيدة المستفيدة من "الانقلاب" المزعوم هي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يسعى منذ سنوات للسيطرة على الجيش والقضاء، والقضاء على أي نفوذ متبقٍّ لصديقه بالأمس وعدوه اللدود اليوم رجل الدين فتح الله غولن، وهو ما قد يبرر رد فعله السريع الذي تجلى باتهام غولن بالوقوف وراء الانقلاب واعتقال آلاف العسكريين والقضاة.


وبالعودة لبداية "الانقلاب"، فإن الإعلام الموالي لأرودغان، كصحيفة "يني شفق" مثلا، هو أول من تحدث عن محاولة "ضباط موالين لجماعة فتح الله غولن الاستيلاء على رئاسة الأركان التركية"، وهو ما يثير التساؤل: كيف توصلت هذه الوسيلة لهذه المعلومة الهامة حول الجهة المسؤولة عن الاتقلاب في هذا الزمن القياسي حتى ربما قبل أن يعلم "الانقلابيون" أنفسهم بالأمر؟

ما يثير التساؤل أيضا هو الأشخاص المسؤولون عن الانقلاب والمشاركون فيه وخاصة العقل المدبر مستشار رئيس الأركان العقيد محرّم كوسا، فالرجل معروف بتاريخه "الانقلابي، حيث وضع "مخطط بيلوز" للاستيلاء على السلطة عام 2003، ولكن المثير للاستغراب هو أن السلطات التركية أعفت عنه وأعادته لعمله ليرتقي لمستوى مستشار لرئيس الأركان! كما أن المستغرب أيضا أن أول من تحدث عن مسؤوليته عن الهجوم هو وكالة الأنباء الرسمية "الأناضول"، وذلك بعد وقت قصير من الإعلان عن محاولة "الانقلاب".

يمكن الحديث هنا أيضا عن تأكيد عمدة أنقرة مليح غوكجيك أن الطيار الذي أسقط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015، شارك في المحاولة "الانقلابية" (حيث تُشير الأنباء إلى أنه قتل خلال محاولته قصف القصر الرئاسي)، مؤكدا أنه من عناصر "التنظيم الموازي" التابع لفتح الله غولن!

وبالانتقال للحديث عن الجانب الميداني أو التنفيذ العملي لمحاولة "الانقلاب"، فإن وسائل الإعلام أكدت أن قائدي القوات البرية والجوية هما المسؤولين بشكل مباشر عن العملية، وهو ما يدعو للتساؤل: لماذا اكتفى الرجلين بعشرات الجنود فقط وبضعة مروحيات بطيئة وبعض المدرعات لتنفيذ العملية، رغم أنهما يسيطرات فعليا على حوالي 400 ألف جندي و200 طائرة اف 16 وأكثر من ألف مدرعة، حيث يعد الجيش التركي ثاني أكبر جيش في حلف "الناتو" بعد الجيش الأميركي، والعاشر عالميا.

ما يثير الاستغراب أيضا هو تأخر "الانقلابيين" في السيطرة على وسائل الإعلام الكبرى، عصب الحياة في تركيا، حيث تم إرسال بضعة جنود ضعيفي الخبرة إلى القناة الحكومية بعد ساعتين من الإعلان عن الانقلاب، وتمكنوا بعد جهد كبير من "فرض" بث بيان تلته مذيعة القناة يتحدث عن الخطوات القادمة للانقلابيين بما فيها تأسيس "مجلس سلام" في البلاد، فيما لم ينجح هؤلاء الجنود من قطع الإرسال في "سي ان ان ترك"، كما أنهم وصلوا متأخرين جدا، وذلك بعدما قامت القناة ببث "رسالة" أردوغان (عبر تطبيق "فايس تايم" للهاتف الجوال) إلى الشعب التركي للخروج إلى الشوارع، وهنا نتساءل أيضا لماذا لم يتم قطع وسائل الاتصال (الهاتف والإنترنت) في البلاد، وخاصة أن مواقع التواصل الاجتماعية (فيسبوك بشكل خاص) لديها شعبية هائلة في البلاد، حيث استعان بها رئيس الحكومة وحزب العدالة والتنمية الحاكم لتجييش أنصارهما ودعوتهم للخروج إلى الشوارع، دون أن ننسى الدور الذي قامت به المساجد في البلاد.

يمكن الحديث هنا أيضا عن عدم استهداف مقر إقامة أردوغان في فندق بمدينة "مارماريس" (غرب البلاد) إلا بعد ساعة من مغادرته باتجاه اسطنبول، وأيضا امتناع طائرات "الانقلابيين" من استهداف طائرة أردوغان بعدما حددت مكانها في الجو (وفق ما أكد ضابط كبير لوكالة رويترز البريطانية)، ونفس السؤال يُطرح هنا حول عدم محاولة اعتقال أعضاء الحكومة والبرلمان والحزب الحاكم.

ويمكن ملاحظة رد الفعل السريع لأردوغان واتهاماته المكررة لجماعة فتح الله غولن بالمسؤولية عن "الانقلاب" ومطالبته الولايات المتحدة بتسليمه وحديثه عن عودة عقوبة الإعدام التي توقف العمل بها منذ عقود، فضلا عن تأكيده صراحة بأن "الانقلاب" المزعوم هو فرصة ثمينة لتنظيف البلاد من "الإرهابيين" ويقصد بهم خصومه السياسيين.

وما يثير التساؤل، في هذا السياق، هو السرعة القياسية في اعتقال حوالي سبعة آلاف عسكري وثلاثة آلاف قاضٍ، وتوجيه تهم جاهزة لهم تتعلق بالانتماء إلى جماعة غولن والتورط في محاولة "الانقلاب"، وهو ما يذكّرنا بالمحاولات السابقة لأردوغان لتصفية خصومه ومن يقف في وجه طموحه لتعديل الدستور وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي، لتمكينه من الانفراد بالسلطة، وهو ما يثير خوف خصومه من انقلابه على المبادىء العلمانية التي وضعها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك ومحاولة "أسلمة" البلاد، وخاصة أن منظري حزب العدالة أكدوا مؤخرا أن مبادىء أتاتورك تجاوزها الزمن ويجب تغييرها، كما أن رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان دعا في نيسان/أبريل إلى اعتماد "دستور ديني" في تركيا، مشيرا إلى أن العلمانية لم يعد لها أي مكان في الدستور التركي القادم، وهو ما أثار جدلا كبيرا في البلاد.

يبقى الحديث عن أن توقيت "الانقلاب" المزعوم يبدو غير مناسب إطلاقا، حيث يأتي في ظل اتجاه أردوغان لمحاولة العودة إلى سياسة "صفر مشاكل" التي وضعها رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، عبر استعادة العلاقات مع إسرائيل وإنهاء الخصومة مع روسيا (بعد الاعتذار لها والذي أكده بوتين ونفاه أردوغان) والحديث عن احتمال تطبيع العلاقات مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد (وفق رئيس الوزراء الحالي بن علي يلدريم)، ومع نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي (وفق نائب رئيس الوزراء نعمان كورتولموش)، ويأتي ذلك في ظل الصعوبات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد التركي، بخلاف ما يصوره بعض منظري حزب العدالة من انتعاش اقتصادي في البلاد، وهذا ما يمكن ملاحظته من الوضع المضطرب للعملة التركية (الليرة) والتي تراجعت كثيرا في السنوات الأخيرة.

وبغض النظر عن سرعة الانقلاب وفشله (أربع ساعات) وتسليم أغلب الانقلابيين أنفسهم ببساطة ودون مقاومة تذكر لعناصر الشرطة والاستخبارات (التي تعرف كل صغيرة وكبيرة في تركيا)، فإن أردوغان يُعد الرابح الأول والأكبر من محاولة "الانقلاب" هذه، وربما يمكن القول إن الطريق أمامه بات شبه معبّد نحو استعادة مجد أسلافه من السلاطين العثمانيين.


وثمة تساؤل أخير لدى بعض المراقبين حول إمكانية الربط بين الهجمات الإرهابية الأخيرة والسيناريو الانقلابي الأخير، بمعنى هل جاء "الانقلاب" المزعوم تتويجا للهجمات المذكورة؟ ومَن هو المستفيد من هذين الحادثين عموما، وربما نستحضر هنا تصريح لافت لأردوغان نفسه في حزيران/يونيو عام 2015 إثر خسارة حزبه للأغلبية في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية وصعود شعبية حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، حيث دعا أردوغان للحفاظ على "استقرار البلاد"، قبل أن يقوم الجيش التركي لاحقا بخرق اتفاق السلام مع تنظيم حزب العمال الكردستاني وقصف بعض مناطقه، وهو ما أدى لاحقا لعودة النزاع مجددا بين الطرفين، وساهم أيضا في كسب أردوغان وحزبه لنقاط جديدة، حيث فاز حزب العدالة والتنمية بحوالي 50 بالمئة (زيادة 9 بالمئة عن الجولة الأولى) في الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية.(ألوان نيوز)
شارك على جوجل بلس