هل تحرر الإعلام التونسي من حقبة بن علي؟




بقلم: صلاح الدين الجورشي

كاد الاعتصام الذي دام أكثر من خمسين يوما أمام مبنى التلفزيون التونسي أن يؤدي إلى كارثة بعد أن تعددت الاشتباكات بين المعتصمين وبين الصحافيين مما أسفر عن إصابة ستة منهم بجروح.

ولولا تدخل الحكومة ورجال الأمن، لتحولت هذه الحركة الإحتجاجية إلى عملية اقتحام فوضوي لإحدى المباني السيادية الأكثر حساسية في البلاد. ولكن لماذا اكتسب ملف الإعلام كل هذه الحدة والعنف؟

بالعودة إلى الماضي القريب، سيطر الرئيس السابق على الإعلام بنفس الطريقة التي هيمن بها على أجهزة الأمن والحزب الحاكم المنحل، مما جعل الصحافيين مشلولي الحركة، وفاقدي الإرادة. ولهذا ما أن بلغ إلى علمهم بأن بن علي قد غادر البلاد بدون رجعة، حتى انطلقوا في مسارات متعارضة، بلغت حد الإنفلات، واختلط فيها الإيجابي بالسلبي، متجاوزين كل الخطوط الحمراء. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى حادثة مطالبة بعض الغاضبين في بث مباشر على الهواء بإعدام الوزير الأول السابق محمد الغنوشي.

وحتى في أيام السيد الباجي قايد السبسي (الذي ترأس الحكومة من مارس إلى أوائل ديسمبر 2011)، لم تكن علاقة الحكومة بالإعلام جيدة. إذ تعددت مظاهر التوتر بين الطرفين، مما جعل الوزير الأول يتهم القناة الأولى للتلفزيون العمومي بكونها "مُعارضة له وللحكومة"، لكنه لم يعمل على التدخل في شؤون الإعلام.

اعتصام ضد "إعلام العار"!

بعد انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011 وتشكيل الحكومة، بدأت المسألة تتخذ منعرجا تصاعديا، وذلك منذ اليوم الأول، حين اختار قسم الأخبار في القناة الوطنية الأولى أن لا يُعطي الأولوية لخبر تولي الرئيس الجديد د. منصف المرزوقي لمهامه. ثم تكرر الأمر عند إعلان تشكيل حكومة الجبالي في جلسة تعتبر تاريخية.

وهكذا بدأت تتراكم الشكوك إلى أن تحولت إلى أزمة ثقة عميقة بين الائتلاف الحاكم وبين غرفة الأخبار بمؤسسة التلفزيون.

وبالرغم من تغيير رئاسة تحرير غرفة الأخبار، واختيار إعلامي جديد بقي بعيدا منذ سنوات طويلة عن المطبخ القديم للمؤسسة، من خلال عملية تمت بناء على ملفات تقدم بها عدد من الزملاء، حدد كل واحد منهم فيها تصوره لهذه الخطة، وجرت بعيدا عن تدخل الحكومة أو الإدارة، استمرت الأزمة وتصاعدت المواجهة، مما جعل الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حزب حركة النهضة يعتبر الخط التحريري لقسم الأخبار "مُعاديا للثورة".

وفي يوم من الأيام، وجد العاملون بالتلفزيون مبناهم المركزي محاصرا بجمهرة واسعة من المواطنين بعضهم لهم انتماءات سياسية أو دينية، وكثير منهم يؤكدون أنهم مستقلون، لكن ما يجمعهم هو رفع شعارات معادية للإعلاميين، واتهامهم بكونهم أتباع الرئيس السابق، ويخدمون الثورة المضادة، ووصفوا ما يقومون به بكونه "إعلام العار".

وقد ظن الصحافيون أن هذه الحركة ظرفية وعابرة، لكنهم فوجئوا بالخيام تُنصب أمام مقر التلفزيون، وأصبحت الشتائم وجبتهم اليومية. ولم يُرفع هذا الإعتصام الذي استمر أكثر من خمسين يوما، إلا عندما قرر الصحافيون الدخول في مواجهة جسدية مع خصومهم، وهو ما دفع بالأمن وبالحكومة إلى التدخل للحيلولة دون حدوث كارثة.

 وقد وقفت أحزاب المعارضة بقوة وكذلك منظمات المجتمع المدني ضد هذه الحملة التي استهدفت الصحافيين، والتي لا تزال مفتوحة على أكثر من صعيد.

إصلاح الإعلام.. ضرورة عاجلة

المؤكد أن الصحافيين التونسيين لم يكونوا مؤهلين في عمومهم للإنتقال بشكل فجئي من حالة استبداد مطلق إلى وضع انتقال ديمقراطي. ولهذا كان من الطبيعي أن يحصل انفلات إعلامي، وأن تبقى التقاليد السابقة فاعلة ومؤثرة في سلوك الكثير منهم. كما لا يوجد خلاف بين المهتمين بشؤون الإعلام بأن إصلاح هذا القطاع يعتبر من الضرورات العاجلة. لكن التباين قائم بين الصحافيين والحكومة حول كيفية الإصلاح ومضامينه وأهدافه.

فالإعلاميون، بعد الأزمة التي احتدت حول الخط التحريري للقناة الأولى للتلفزيون العمومي، وبعد التصريحات التي وردت على لسان كل من رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وعضو المجلس الوطني التأسيسي السيد عامر العريض، والتي تضمنت الإشارة إلى احتمال بيع مؤسسات الإعلام العمومي (قبل أن يتم التراجع عن ذلك على إثر الضجة التي أحدثتها هذه التصريحات)، كل ذلك وغيره من التصريحات النارية التي صدرت من بعض الوزراء أو حتى رئيس الدولة المؤقت، أدت إلى تعميق مخاوف الصحافيين والنخب حول مستقبل حرية الإعلام في تونس.

وفي الوقت الحاضر، تحاول حركة النهضة والائتلاف الحاكم (أي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) أن يخففا منها، وذلك من خلال التأكيد على أن "عهد الوصاية على الإعلام قد ولى نهائيا"، كما جاء على لسان رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي. لكن - ومع أهمية هذه الوعود والتطمينات - تستمر أزمة الثقة بين الطرفين.

فالاستشارة التي بادرت بها الحكومة حول الوضع الإعلامي (في نهاية أبريل الماضي)، قامت بمقاطعتها الهيئات الممثلة للإعلاميين، ولم يحضرها سوى أصحاب المؤسسات الإعلامية والخبراء، مما سيجعل نتائجها ضعيفة.

كما أن الخلاف الدائر منذ تشكل الحكومة حول المرسومين 115 و116 اللذين صدرا قبل انتخابات 23 أكتوبر واللذين كان يفترض أن ينظما الإطار التشريعي للمشهد الإعلامي في البلاد، قد بلغ أوجه، وأصبح يهدد بالإطاحة بهذين المرسومين، وإعادة النقاش من جديد في المجلس التأسيسي حول صياغة قانون جديد للإعلام. وهو توجه ترفضه نقابة الصحافيين، وترى فيه الهيئة العليا المستقلة لإصلاح الإعلام "محاولة للإلتفاف على حرية الصحافة "، و"مدخلا للهيمنة على قطاع الإعلام".

معادلة صعبة لكنها ضرورية لبناء الديمقراطية

ومن بين العوامل التي زادت من حالة الغموض والإرباك، ما يعانيه المشهد الإعلامي بشكل عام من تسيب واختلاط في الأوراق، وعودة للأساليب القديمة في ثلب الأعراض وهتك أخلاقيات المهنة بعيدا عن أية هيئة حيادية يمكنها أن تتدخل بقوة القانون لوضع حد لمثل هذا التشوه الذي تتعرض له المهنة الصحفية في مرحلة ما بعد الثورة.

وقد كانت هذه من بين المسائل التي أثارتها الهيئة المسقلة لإصلاح الإعلام التي يتولى رئاستها الصحفي والحقوقي كمال العبيدي، واقترحت لمعالجتها تأسيس هيئة مستقلة تكون مُحكّمة في كل ما يتعلق بتصحيح مسارات الإعلام، لكن الحكومة اعترضت على تركيبة هذه الهيئة وعلى صلاحياتها الواسعة جدا.

الغريب في كل هذا أن عمليات سبر الآراء التي تمت خلال الأسابيع الماضية أعطت نتائج مغايرة لما يقال عن سوء أداء الإعلام. إذ أن نشرة الأنباء الرئيسية التي تدور حولها معركة طاحنة بين الحكومة وخصومها تحظى بنسبة مشاهدة عالية جدا تتجاوز الأربعة ملايين مشاهد. كما أن القناة الأولى للتلفزيون العمومي التونسي تتصدر باستمرار بقية القنوات بنسبة مشاهدة تقترب من 40 بالمائة، مما جعل قناة الجزيرة تتدحرج إلى المرتبة السابعة.

 كما أن حوالي 60 بالمائة من التونسيين عبروا في أكثر من مناسبة عن رضاهم على أداء الإعلام. ولاشك في أن هذه النتائج تبدو محيرة، خاصة بالنسبة للذين يشنون حملة واسعة ضد وسائل الصحفيين، حيث أصبح من الشائع أن تجد على جدران الشوارع الرئيسية في تونس العاصمة شعارات من قبل "يا صحافي يا كذاب".

وبقطع النظر عن كل هذا الجدل، يبدو مؤكدا أن الإعلام التونسي يعيش حركية جديدة مختلفة عن صمت المقابر الذي كان يُهيمن على البلاد في عهد الرئيس السابق. لكن مع أهمية هذا السقف العالي لحرية التعبير إلا أن ذلك لا يعني أن الجسم الإعلامي خال من الأمراض والعوائق التي لا تزال تفعل فعلها للحد من إمكانية تطوره في أجواء صحية.

في الأثناء، يرى كثيرون أن بناء إعلام جديد في تونس يقتضي أن يتولى الإعلاميون ممارسة نقدهم الذاتي، والعمل على تخليص مهنتهم من العاهات القاتلة للصحافة. وفي المقابل على السلطة التنفيذية أن تدرك جيدا بأن الإعلام العمومي ليس إعلاما حكوميا، وأن أي تدخل في شؤون الصحافيين لفرض وصاية جديدة عليهم، أو ترك المواطنين يهددون الصحافيين ويريدون التدخل في صياغة الخط التحريري، من شأنه أن يُضرّ بالصحافة وبالحكومة، وأن ذلك من شأنه أن يُؤلّـب الإعلاميين ويجعل الشبكات العالمية المختصة في الدفاع عن حرية الصحافة في الموقع المُضادّ للإئتلاف الحاكم عموما، ولحركة النهضة خصوصا. إنها معادلة صعبة لكنها ضرورية لبناء ديمقراطية سليمة.(سويس إنفو)
شارك على جوجل بلس