"أخدام" اليمن: مجتمع ظالم وأفق مسدود



صنعاء - يصعب أن نتصور، أن هناك أسرة مكونة من سبعة أشخاص تسكن في غرفة متهاكلة من خشب مهتري، لا تزيد مساحتها عن المترين في مترين تقريباً. لكن هذا هو حال الرجل الستيني أحمد على الريمي وأسرته، الذين ينتمون الى الفئة التي تحتل ادني درجات الهرم الاجتماعي في اليمن، ويطلق عليها اسم "الأخدام". لكن بعض المثقفين والصحفيين بدأ في السنوات الأخيرة، يسمي هذه الفئة "المهمشون".

في العاصمة اليمنية صنعاء، وفي حارة تتخللها أزقة ضيقة، ومكتظة بمنازل صغيرة، صُنع الكثير منها بالخشب والصفيح والخيش، وبعضها بالبلوكات الإسمنتية، يعيش الريمي في ذلك الكوخ الخشبي، مع زوجته، وابنه، وابنته، وثلاثة من الأطفال الأحفاد.. ومثلهم يعيش نحو عشرات الآلاف من الفئة نفسها، في تلك الحارة، التي تسمى، مثلها ومثل حارات "الأخدام" المنتشرة في العديد من المدن اليمنية: "المحوى"، وتغيب عنها خدمات الكهرباء والمياه والمجاري الصحية.

ويقول الريمي انه مريض منذ أربعة أعوام، ولا يجد قيمة العلاج، ويخبرنا أنه وأفراد أسرته يعيشون مما تكسبه زوجته وابنته من التسول في شوارع صنعاء. وتفيدنا الابنة أنها تكسب يوميا نحو 600 ريالاً (2.7 دولاراً)، تخصصها للصرف على أبنائها الثلاثة وأبيها وأخيها العاطل عن العمل.

العيش في الهامش

يتصف "الأخدام" بلون بشرتهم الداكن المائل للسواد، ويمتهنون أعمالا محتقره، في نظر العرف الاجتماعي القبلي في اليمن، وهم يعيشون في مجتمعات مغلقة ومعزولة اجتماعياً عن باقي فئات المجتمع، حيث لا يخالطهم الآخرون في الحياة اليومية، ولا يأكلون معهم، أما التزاوج معهم فهو من المحرمات الاجتماعية. ويصل العزل والتمييز العنصري ضدهم لدرجة أن بعضهم إذا أرادوا الأكل في المطاعم، فعليهم أن يأكلوا في الرصيف خارج المطعم.

عدد "المهمشين"

لا توجد إحصائية رسمية بعدد "الأخدام"، لكن محمد القيرعي رئيس "منظمة الدفاع عن الأحرار السود"، قال في سنة 2006م إن عددهم 800 ألفا، أما رشاد الخضر مستشار "الإتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقراً "، فيقول إن عددهم يصل الى ثلاثة ملايين نسمة، من بين إجمالي سكان اليمن البالغ 24 مليون نسمة.

و"الاخدام" منتشرون في العديد من المدن اليمنية. وهم فئة يسهل ملاحظتها في العاصمة صنعاء، حيث يعمل الكثير منهم عمال تنظيف في البلدية، بل يكاد هذا العمل أن يكون حكرا عليهم. فيما تنتشر الكثير من نسائهن في الشوارع يتسولن المارة. ويعمل بعض أطفالهم في جمع القوارير والعلب الفارغة، من أكوام القمامة لبيعها بسعر بخس.

كما يقدم "الأخدام" بعض خدمات الترفية، مثل الرقص واستخدام بعض الآلات الموسيقية الشعبية في الأسواق والمدن، أو في أعراس الريف. وفي بعض الأرياف والمناطق الزراعية، يشتغل جزء منهم عمالاً زراعيين.
وفي السنوات الماضية تم استيعاب جزء من شباب هذه الفئة في الجيش والشرطة.

المهمشون والتعليم

خزنة محمد، طفله من هذه الفئة في سن الدراسة الابتدائية، سألناها: لماذا لا تذهبين الى المدرسة، فقالت، إنها بدأت الدراسة في إحدى المدارس ولكنها تركتها، بسبب ما تعرضت له من اضطهاد، من قبل زميلاتها وبعض المدرسات، حيث ينادونها "يا خادمة"، و "يا سوداء"، ولا يصادقونها ولا يخالطونها.

يقول أحمد عبدالله محمد نائب رئيس "الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقراً" وهو من الفئة نفسها، يقول، إن معظم أطفالهم يلتحقون الآن بالمدارس، ولكن نسبة تسربهم من الدراسة عالية جداً بسبب ما يواجهونه من استعلاء وتمييز عنصري.

ويرفض محمد فكرة إنشاء مدارس خاصة بهم، ويرى أن "المدارس الخاصة، ستكرس عزلة هذه الفئة، في حين أن المطلوب هو إنهاء هذه العزلة، وإدماج المهمشين في المجتمع، وإقناع المجتمع بالتعامل معها على قدم المساواة".

جهود الدولة

يقول تقرير قدمته الحكومة اليمنية الى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة إن الحكومة "تنظر إلى تهميش فئة "الأخدام" من منظور اجتماعي اقتصادي، فتعتبرها واحدة من الفئات الاجتماعية الأكثر فقراً، والأقل حظاً". ويرى التقرير الذي نشر في عام 2011م أن "مبدأ المواطنة المتساوية، الذي تستند إليه المنظومة التشريعية اليمنية، كفيل بتغيير أوضاع هذه الفئة مع مرور الزمن".

ويستعرض التقرير بعض الجهود التي تبذلتها الجهات الحكومية المختصة لتحسين أوضاع هذه الفئة، ومن بينها استهداف المهمشين، بشكل خاص، في تطوير إستراتيجية وطنية شاملة لحماية وتنمية الطفولة والشباب، وإنشاء مركزين للخدمات الاجتماعية الشاملة في صنعاء وعدن، لتقديم الخدمات التعليمية والتدريبية والرعاية لهذه الفئات بشكل خاص، والعمل على إنشاء مدارس خاصة بهم، فضلا عن زيادة الانفاق على القطاعات المرتبطة بالتخفيف من الفقر، ومكافحة التسول، وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي.

المدن السكنية

جرى في السنوات الماضية بناء مدن سكنية للمهمشين في العاصمة صنعاء، وفي محافظات تعز، ولحج، وحضرموت، لكن هذه المدن، لم تستوعب سوى جزء صغير من العدد الكبير للمهمشين.

كما يدخل جزء من "الأخدام" في شبكة الضمان الاجتماعي، التي تصرف معونات نقدية للفقراء الذين لا يملكون مصدر دخل، لكن "الأخدام" المسجلين في تلك الشبكة، هم عدد محدود جداً من مجموعهم الكبير، كما أن المبالغ التي تصرف لهم صغيرة جداً ولا تسد حاجة تذكر، فهي تتراوح ما بين 6 الى 12 ألف ريال (28- 56 دولاراً)، حسب حجم الأسرة.

في الموسوعة اليمنية

تعرّف الموسوعة اليمنية كلمة "الأخدام" بأنها: "مصطلح اجتماعي يطلق على فئة من الفئات الدنيا في المجتمع اليمني، كان يؤكل إليها الأعمال المحتقرة والمضرة والصعبة، واعتبرت وظيفة أساسية لهم، لا يقوم بها أحد غيرهم من بقية فئات المجتمع".

اصل "الأخدام"

يصر جميع الذين التقينا بهم من فئة "الأخدام" أنهم يمنيون أبا عن جد، ولا يعرفون لهم أصلا آخر غير أصلهم اليمني.

وفي المقابل يسود بين معظم اليمنيين، أن الأخدام أصلهم حبشي من أثيوبيا، ويقولون إنهم بقايا جيش أبرهة الذي غزااليمن سنة 525م.

وتؤكد الموسوعة اليمنية، أن "الأخدام" وفدوا إلي اليمن من أفريقيا، مستندة في ذلك الى أنهم "يتميزون عن غيرهم من اليمنيين بميزات، افريقية وواضحة للعيان"، إلا أنهم، وبحسب الموسوعة، لم يكونوا يُعرفون بهذا الاسم قديماً، إذ أن اسم الأخدام لم يتم العثور عليه في الحديث عن طبقات المجتمع اليمني قبل الإسلام، ولم يوجد له أثر في الحياة السياسية والاجتماعية إلا في العام 1151م وما بعده.

وتعرض الموسوعة عدة روايات بشأن وصول هذه الفئة الى اليمن، وأسباب ارتباطها ببعض "الأعمال المحتقرة"، وتسميتها بالأخدام، وترجح رأياً قال به المؤرخ اليمني عبدالرحمن الحضرمي، مفاده أن الأخدام، فئة تكونت من بقايا الأحباش، الذين استقدمهم آل نجاح، لتدعيم دولتهم (إمارة يمنية قامت خلال الفترة 1016- 1159م)، التي أسسوها على أنقاض دولة الزياديين.

ويرى الباحث اليمني محمد سالم شجاب، أن هذا الرأي هو الصائب والأرجح، "لأنه يقوم على وقائع تاريخية ملموسة"، وهي تحول الصراع بين أل نجاح ومنافسيهم الى صراع عربي حبشي. ويقول إن المهديين الذين هزموا النجاحيين في نهاية المطاف، وانهوا حكمهم، هم الذين حولوهم الى أخدام ممتهنين.(إذاعة هولندا)
شارك على جوجل بلس