"حوار البنادق" فشل في السودان: متى تتوقف جوبا والخرطوم عن تصدير أزماتهما الداخلية؟





بقلم: سامر الياس

أخفق السودان وحكومة جنوب السودان في جعل الانفصال فرصة لحل المشاكل العالقة بعيداً عن لغة قصف الطائرات والمعارك، والتحول إلى جارين تجمع بينهما الرغبة باستخلاص الدروس والعبر من حربين أهليتين استمرتا قرابة ربع قرن لم يجدا بعدها بدا من الجلوس على طاولة المفاوضات حين فشلت البنادق في حسم الخلاف لصالح أي منهما، خصوصاً في ظل التدخلات العالمية الكبيرة التي أوصلت السودان إلى التقسيم، وحل الدولتين.. والواضح أن أمام الجانبين ملفات كثيرة واجبة الحل، كالحدود التي لم ترسم في شكل دقيق، وتقاسم عائدات النفط، وحسم قضية المواطنة، ناهيك عن أن دولة الجنوب الوليدة لا تمتلك بعد مقومات الدولة الكاملة، ولم تتكيف قيادتها في الانتقال من وضع الثورة إلى حكم الدولة.

وأغلب الظن أن أحداث "هيجليج" وما تلاها تعود إلى تأزم الأوضاع الداخلية في كلا البلدين بعد أقل من عام على الانفصال، ويبدو أن المخاوف من رياح الربيع العربي الذي شمل بلداناً غير بعيدة عنهما دفع، ويدفع، الطرفين إلى تصدير أزماتهما الداخلية. فالشمال يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة مع عدم وجود انفتاح سياسي كاف، أما الجنوب فقد استيقظ على دولة دون وجود أي مقومات لها، وعلى وعود بمساعدات أجنبية لم تجد طريقها إلى حكومة الجنوب.

ولهذا فيمكن القول إن أحداث "هيجليج" هي القطرة التي طفحت الوعاء، ووجدها الطرفان فرصة سانحة للهروب من استحقاقات داخلية صعبة، نحو خيار الحرب الذي يمكن أن يجمع المواطنين البسطاء حول شعار محاربة العدو، وحماية الحدود وغيرها.

ومن أبرز مسائل الخلاف قضية ترسيم حدود بين الدولتين، وهي تمتد  لمسافة حوالي 1950 كيلومتراً ما بين خطي عرض 9 و12 شمالاً، وفيها ثروات نفطيّة ومعدنيّة وحيوانيّة، وحركة بشرية سكانية تحت مظلة عرقيّة منقسمة بين عرب وزنوج. وطبقا لاتفاقية السلام الشامل الموقعة في نيفاشا في عام 2005، فقد تمّ اعتماد خطّ حدود الجنوب كما كان وقت الاستقلال في1  يناير/ كانون الثاني 1956، كما اعتمدت اتّفاقية أديس أبابا الخطّ نفسه في إطار المفاوضات التي عُقدت عام 1972 بين شمال السودان وجنوبه لإنهاء المرحلة الأولى من الحرب الأهليّة السودانية (1955-1972). وقد تجسّد هذا الخطّ الحدودي في قانون الحكم الإقليمي الجنوبي الذي اعتمده كخطٍّ للحدود الإدارية، ولكنه تحوّل إلى مشكلة معقدة مع التوسع في التنقيب عن النفط في هذه المناطق والتحوّل إلى أنماط الزراعة الآليّة. ونظرًا لقيام البرلمان السوداني بتحديد الخطّ الحدودي الجنوبي دون أن يعتمد في ذلك على عمليات المسح الجغرافي بين الولايات، أو امتلاك ملامح طبوغرافية للخرائط الحديثة نسبيًّا، فقد ترتّب على ذلك العديد من النزاعات مع البدء في عمليّة وضع العلامات الحدودية.

ويمكن هنا تحديد سبع مناطق حدودية هي مصدر صراع بين الجانبين، وتنحصر في: إيبي، وتخوم  ولاية جنوب دارفور وولاية شمال بحر الغزال، وكذلك حقول النّفط في ولايتي الوحدة وجنوب كردفان، ومناطق الزراعة الآليّة على امتداد ولايات النيل الأزرق وأعالي النّيل وجنوب كردفان، ومنطقة شال الفيل في ولاية النيل الأزرق، والحدود الشمالية لولاية أعالي النيل، وأخيراً منطقة حفرة النحاس وكفياكنجي في ولايتي جنوب دارفور وبحر الغزال.

ولعل المفاجأة أن الجنوب اختار الهجوم على منطقة هيجليج التي لم تكن محط خلاف بين الطرفين أثناء تقسيم الحدود ، عكس مشكلة إيبي التي كان من المتوقع أن تكون البوابة الطبيعية لحربٍ أهليّة جديدة بين الشمال والجنوب ، ذلك أن الاتفاقات لم تحدد تبعية منطقة إيبي وما إذا كانت ضمن حدود دولة الشمال أم دولة الجنوب.  ودفعت هذه الحالة الطرفين إلى عقد بروتوكول خاصّ بإيبي في إطار اتّفاقية نيفاشا انطوى على إجراء استفتاء للسكّان لتحديد مصير المنطقة. وكان مقرّرًا إجراء هذا الاستفتاء بالتزامن مع استفتاء تقرير مصير الجنوب في يناير/كانون الثاني 2011، إلاّ أنه لم يتسنّ تنفيذ هذا الاتفاق حتى الآن بسبب الاختلاف حول من يحقّ له تحديد تقرير مصير منطقة أبيي حيث ينكر السكّان من العرق الزنجي (قبائل الدينكا) على المسيرية (السكان العرب) هذا الحقّ انطلاقاً من رؤيتهم حول حدود إيبي وقاطنيها التاريخيين.

ووصل الخلاف حول إيبي إلى حد التصعيد العسكري ووقوع قتلى في اشتباكات واسعة أحياناً ومحدودة أحياناً أخرى، واستفاد الشماليون من هذا الملف الساخن بكسب تعاطف دولي تجاه إسقاط جزء من الديون السودانية، كما نجح أيضًا في تحويل اتجاهات الرّأي العام والنخب السودانية من التطوّرات المتعلقة بالثورات العربية وآمال التحوّل الديمقراطي في السودان إلى تطوّرات إيبي.

ويتداخل الصراع على منطقة أبيي بين شمال السودان وجنوبه مع الصراع على الموارد النفطية، على طول الحدود الفاصلة بينهما، إذ أنّ إعلان دولة الجنوب الجديدة  أدى إلى خسارة السودان نحو سبعين في المئة من احتياطات النفط ويفقد الموازنة الشمالية، وحرم موازنته من نحو نصف مواردها،  وبالنسبة للجنوب فإن النفط يشكل 98 في المئة من موارد دخلها.

وفي هذا السياق، فقد شهدت العلاقات البينية بين الشمال والجنوب أزماتٍ متتاليةً طوال الفترة الانتقالية الممتدّة من 2005 إلى 2011، حيث اتّهم الجنوب الشمال بعدم تسليمه كافّة عوائده النفطية وكذلك عدم الشّفافية فيما يتعلّق بحجم الإنتاج الفعلي للنّفط.

وتسعى حكومة الخرطوم إلى استمرار الاتّفاق الموقّع بشأن النفط في إطار اتّفاقية السلام، وهو الذي يقضي باقتسام العوائد النفطية استناداً على أنّ مصافي النفط وأنابيبه أي البنى الأساسية موجودة في الشمال بينما مناطق إنتاجه في الأراضي الجنوبية. وقد استحوذ جنوب السودان على نحو ثلاثة أرباح إنتاج النفط السوداني حينما استقل حيث حصل على 350 ألف برميل يومياً مقارنة مع 120 ألف برميل تقريباً للسودان. والمشكلة هي أن جنوب السودان مضطر لضخ الخام في خط أنابيب عبر أراضي الشمال إلى ميناء بور سودان على البحر الأحمر لتصديره. وفشل الجانبان في الاتفاق على الرسوم التي يتعين على جوبا دفعها مقابل ذلك.

اقتصادان منهكان ومخاطر انتشار المجاعة...
وترك الانفصال تداعيات خطيرة على اقتصاد السودان، الذي لا تبدو حظوظه في الانتعاش كبيرة، بسبب الحروب الدائرة منذ الاستقلال في الجنوب، ثم اشتعالها مجدداً في إقليم دارفور غربي البلاد. وأدى الانفصال إلى تراجع إيرادات الحكومة في الشمال من عائدات النفط، وهو ما قد يتسبب في تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي بنحو 15 في المئة.

وتفاقم النزاع في يناير/كانون الثاني، عندما أوقف الجنوب إنتاج النفط بالكامل متهماً الخرطوم "بسرقة" نفطه، بينما يعلن السودان أن من حقه الحصول على نصيب من نفط الجنوب لأن جوبا ترفض دفع رسوم عبور النفط منذ انفصالها مما غذى التضخم وأدى إلى تفاقم نقص العملة الأجنبية في السودان.

 وتشير تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن هناك نحو (4.3) مليون مواطن، أو نحو 14 في المئة من سكان السودان، في حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية الفورية. وفي الجنوب، هناك نحو 21 في المئة من السكان (أو 1.7 مليون نسمة) يتعرضون لمخاطر جمة. وبالإضافة إلى التحدي الهائل الذي يفرضه ذلك العنف، يعاني جنوب السودان أيضاً من عدم القدرة على تلبية احتياجات ما يقدر بنحو 190 ألفا من اللاجئين من أبيي، وولاية النيل الأزرق، وجنوب كردفان، بالإضافة إلى التحديات التي يفرضها إعادة توطين أكثر من نصف مليون جنوبي كانوا يقيمون في الشمال، وباتوا في حكم الأجانب بعد التاسع من أبريل/ نيسان الماضي، ناهيك عن مئات الألوف الذين اضطروا إلى النزوح إلى دول الجوار أثناء الحرب الطويلة ولم يعودوا بعد إلى جنوب السودان.

وتزداد المخاوف من انتشار المجاعة في البلدين ففي الشمال، أسفر النزوح والنزاع عن تناقص في المحاصيل الزراعية بنحو 40 في المئة في ولاية النيل الأزرق، ونحو نصف الانتاج في جنوب كردفان، مما يترك نحو نصف مليون نسمة معرضين لانعدام الأمن الغذائي.

وفي جنوب السودان يتربص الجوع بنحو ثلاثة ملايين مواطن نتيجة الأمطار الموسمية الغزيرة والنزوح والنزاع المستمر، ومما يزيد الطين بلة تراجع انتاج الحبوب بنحو الربع، وانتشار فيروس خطير يصيب المواشي، وتفيد الأمم المتحدة بوجود زيادة هائلة في حالات سوء التغذية والإصابة بالملاريا، وأن هناك نحو مليون مواطن يعانون من الانعدام الحاد للأمن الغذائي. ناهيك عن أن التضخم الغذائي في كلا البلدين هائل، حيث يتراوح بين 19 في المئة في الشمال، ونحو 65 في المئة في الجنوب، وهو مايزيد معدلات الفقر في البلدين.

لكن بعض المراقبين لا يردون أسباب تكرار سيناريو الأزمات إلى الطرفين وحسب، بل إلى لاعبين دوليين يسعون للسيطرة على مقدرات الجنوب والشمال على حد سواء، بما فيها الموارد الطبيعية والإمكانات الهائلة للزراعة في الجنوب، خصوصاً للوقود الحيوي من جانب الشركات الأمريكية. وفي هذا الإطار كشفت صحيفة "التايمز" اللندنية مؤخراً وجود صفقة سريّة بِيع بموجبها ما يقارب 9 في المئة من أراضي دولة الجنوب حديثة الولادة بسعر 4 سنت لكلّ كيلومتر مربّع.

 تختار جوبا والخرطوم  قرع طبول الحرب دون الالتفات إلى وقائع وأرقام ينبغي أن تدفع الجانبين إلى ترك الدعوة للحرب، والبدء بالتفاوض المضني والصعب كي تتم إزالة نقاط الخلاف، وإحلال التعاون بين بلدين كانا إلى وقت قريب بلداً واحداً، وصولاً إلى مستقبل أفضل لمواطني بلديهما الذين أتعبتهم سنوات الحرب الطويلة، وباتوا يتوقون للسلام وهناءة العيش، وربما بالديمقراطية وبربيع عربي طرق أبواب جيرانهم ولا يزال بعيداً عن طرق أبوابهم.(روسيا اليوم)


شارك على جوجل بلس