هل يستغل غونتر غراس "شهرته" للتعبير عن موافقه السياسية؟




برلين - يحب الأديب الألماني غونتر غراس، الحائز على جائزة نوبل للآداب، أن يتدخل في مختلف القضايا، سواء كانت اجتماعية أم سياسية، وذلك إما بشكل مباشر في المقابلات الصحفية، أو عن طريق أعماله الأدبية والشعرية.

 وعادة ما يتطرق غراس إلى مواضيع يعتبرها قراؤه محرمة، الأمر الذي جعل هذه التدخلات موضع نقاش حاد. فما الذي يدفعه إلى ذلك؟ هل يتعلق الأمر بتعليقات مشوشة لكاتب هرم، كما يكتب بعض صحافيي الأقسام الثقافية بسخرية، أم أن تصريحات غونتر غراس أفكار طبيعية لكاتب مشهور؟

 كل هذه الأسئلة توجهنا بها إلى فولكر نويهاوس، الذي ينشر أعمال غراس ويعكف حالياً على كتابة مذكرات مفصلة له، يتوقع أن تصدر الخريف القادم.

يقول نويهاوس إن الضجة الإعلامية حول القصيدتين اللتين كتبهما غراس حول بعض التطورات السياسية مؤخراً "فريدة من نوعها، وأكثر ما يميزها أن بعد صدور قصيدته الثانية (حول اليونان، والتي نشرتها صحيفة زود دويتشه تسايتونغ يوم عيد الحصاد)، طُرحت تساؤلات حول سبب قيامه بذلك".

ويضيف "أعتقد أنه لم يتساءل أي أحد قبل ذلك عن سبب نشر شاعر لقصيدة ما. إن غراس محظوظ لقدرته على نشر قصائده في منافذ شهيرة. إنه شاعر ووظيفته نشر أشعاره. يمكننا أن نتجادل حول فحوى القصيدة، وهذا ما حصل. لكن حصول ذلك بهذه الطريقة أمر فريد من نوعه".

ويرى نويهاوس أن غراس يتبنى وجهة نظر غير مألوفة، يحاول الجميع أن يأخذها منه، إلا أنهم لا ينجحون. "لا يمكن حرمان غراس من مزايا وظيفية أو راتب حكومي، ولا يمكن طرده من مكتب. كل ما لديه عمل هو بنفسه لإحرازه. والآن يقول البعض أن عليه التخلي عن جائزة نوبل، وهو الشيء الوحيد الذي يمكنه عمله. يمكنه أيضاً التخلي عن عضويته الشرفية في نادي القلم الألماني (بي إي ان)".

ويقول إن غراس هو نموذج نادر لشخصية شهيرة ومستقلة في نفس الوقت، و"هذا إنجاز يعود الفضل فيه له وحده. لذلك لا ينبغي على غونتر غراس مراعاة أي أحد فيما يقوله أو يكتبه، ولهذا يواجه حالياً الصعوبات التي يواجهها".

ويؤكد أنه وصل إلى حجم لا يمكن لأي أحد الطعن فيه، لكنه يرى أنه يستغل شهرته من أجل إسماع رأيه، و"هو أمر نقوم به جميعاً. بعض الناس يذهبون حتى إلى موائد السمر من أجل التعبير عن آرائهم، وسماع آراء الجالسين أيضاً. غراس قادر على التعبير عن رأيه بشكل يجعل الناس تسمعه".

ويضيف "أول قصيدة لغراس (حول إسرائيل) كانت من المفترض أن تنشر في صحيفة تسايت، إلا أن الناشرين هناك رفضوا نشرها. وفي نفس اليوم نشرت صحيفة زود دويتشه تسايتونغ القصيدة، وهذا من حظه".

وكان غراس من الأدباء الألمان الأوائل الذين زاروا إسرائيل في ستينات القرن الماضي، لكن البعض يرى أنه لم يفهم حتى الآن الصراع الإسرائيلي الإيراني.

ويجيب نيوهاوس "هذا مبني على سوء فهم. في اعتقادي الراسخ أن أول مقطعين من قصيدته حول إسرائيل ليسا موجهين لإسرائيل، فهو يذكر اسم إسرائيل في المقطع الثالث لأول مرة. المقطعان الأولان يشيران بشكل واضح إلى الولايات المتحدة، حيث يتم التفكير في إمكانية خوض حرب نووية ضد إيران. إنه يتحدث عن هذا الموضوع. أما إسرائيل فتلعب دور نظير إيران".

ويضيف "القصيدة تتمحور حول القوتين النوويتين في الشرق الأوسط. لكن الأهم هو أن غراس قادر على إبداء رأيه الخاص والواضح. إنه واع للغاية وقادر على الدخول في أي نقاش حول هذا الموضوع، وهو يشارك في النقاشات العامة، مما يدلل على وعيه الكبير".

الاتهام الثاني لغراس يتعلق بـ"ركاكة أسلوبه الأدبي"، وهذا مرتبط بتساؤل حول كون القصائد النمط الأدبي المناسب للتعبير عن الرأي.

يقول نيوهاوس "القصيدة هي ما يتم إصداره كقصيدة. لقد أثبتت زميلة لي أن قصيدة غراس منظومة بشكل صحيح – نحن هنا نتحدث عن قصيدته الأولى. في إحدى النقاشات بمدينة أوسنابروك اتفقنا (ونظراؤنا أيضاً) على أنه لو قال غراس ما قاله في مقابلة صحفية بدلاً من قصيدة، فإن تأثير ذلك لن يكون بنفس المقدار".

 ويضيف "القصيدة لها طابع تشريعي قاطع، وتحمل صبغة ضخمة. لقد قام غراس بذلك في قصيدته الأولى حول الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ومن ثم أعاد ذلك ببراعة في قصيدته الثانية، إذ قام بتأليف قصيدة رائعة تشبه النشيد الوطني وترتبط بالأوضاع في اليونان، ومتجذرة في تقاليد فريدريش هولدرلين (الذي تعتبر أشعاره قمة الحركة الأدبية الألمانية)، وتحتوي على قفزات واندفاعات ذات طابع احتفالي".

 ويتابع "كل هذا عند الحديث عن موضوع مثل الأزمة الاقتصادية اليونانية! هذا يثبت أن غونتر غراس لا يزال قادراً على العزف على أوتار الشعر باقتدار، كما كان يفعل على مدى 60 عاماً".(دويتشه فيلله)
شارك على جوجل بلس