برلمان لبنان والصراع على "قالب الجبن"!




بقلم: سوسن الأبطح

"في بلاد الأرز، الشعب آخر من يعلم، ولا يحق له، بالتأكيد، أن يفهم". ليس فقط أن نصف اللبنانيين يقولون إنهم لا يعرفون شيئا عن القوانين الانتخابية التي يدور حولها جدل لا يبدو له آخر، لكن الوسائل الإعلامية على اختلافها تضطر بدورها إلى مسايرة الحال، وتخصيص الصفحات الطوال والساعات التلفزيونية المملة لجدالات سياسية أغلبها منافق وموارب، يقول شيئا ويبطن غيره. والأنكى أن أحدا لا يتوقف للحظات ليشرح بشفافية، للمواطنين، حول ماذا يختلف المختلفون، وعلى أي حيلة خبيثة يتآمرون.

ما يعرفه اللبنانيون جيدا هو أنهم منذ الاستقلال بقي نظامهم الانتخابي رهينة المستفيدين والمنتفعين، وطبقة سياسية مهما اختلفت توجهاتها تعود وتجتمع لتقتسم الغنائم بجشع قاتل.

ما يعرفه اللبنانيون أيضا أن كل النقاش الدائر الآن لا يستحق أكثر من صم الآذان، لأنه يرجح عودة المتخاصمين إلى قانون الستين البالي والمتخلف الذي اعتادوه لأن من يغير عادته تقل سعادته مع تعديل طفيف أو من دونه. أما إذا حصلت المعجزة وتوافق الأفرقاء على قانون جديد ما، فسيكونون حتما قد قاموا، قبل ذلك، بدراساتهم وحسبوا المقاعد التي سينتزعونها، والمنافع التي سيجنونها نيابيا ووزاريا وحتى رئاسيا، وتأكدوا سلفا أن تقاسم البلد سيبقى محفوظا لهم ولفلذات أكبادهم من بعدهم.

المحزن أنه باستثناء المشروع الانتخابي الذي اقترحته الحكومة، ويقسم لبنان إلى 13 دائرة مع اعتماد النسبية، ورفضته قوى "14 آذار" بدل أن تناقش في تقسيمات دوائره علها تنتزع الحصة المبتغاة، يبدو المشروعان الآخران، اللذان يستحوذان على الصدارة، آتيين إلينا من قبور القرون الوسطى.

فـ"مشروع اللقاء الأرثوذكسي" إيجابيته أنه يبقي على لبنان دائرة واحدة، لكنه من ناحية أخرى طائفي، قميء ومقزز، لأنه مبني على انتخاب المسيحيين للنواب المسيحيين والمسلمين للنواب المسلمين. والأغرب أن يرى كثيرون في القانون ما يستدعي دراسته والموافقة عليه إيجابيا، بما في ذلك العماد عون وحزب الله وحركة أمل.

المشروع الثاني، الذي يمكن اعتباره مشروع مسيحيي "14 آذار"، يقسم لبنان إلى 50 دائرة، مع اعتماد النظام الأكثري، لضمان أن يتمكن المسيحيون من اختيار نوابهم من دون هيمنة أصوات المسلمين. والسؤال: هل يرى هؤلاء في لبنان قارة عظمى ليتم تمزيقها وتفتيتها، بحجة نقاء الصوت المسيحي؟ ولماذا تتحول الانتخابات النيابية واختيار ممثلي الأمة إلى اختيار مخجل لممثلي الأزقة، بحيث يصبح لكل حارة زعيمها؟

المهزلة الأكبر أن المسلمين، من سنّة وشيعة، قرروا بخبث اختيار موقع المتفرج على معركة مسيحية - مسيحية بين فريقي "8 آذار" و"14 آذار"، حتى ليبدو أن معرفة رأي المسلمين من الفريقين لغز يتوجب حله. وكأنما اطمأن الطرفان إلى أن الانقسام المسيحي هو من الحدة بحيث يصعب معه الوصول إلى حل. أما إذا حصلت المعجزة فلكل حادث حديث. وهذا قدر من النفاق يصعب احتماله.

حرب الدراسات تشتعل، وكل يحاول أن يثبت لجمهوره أنه المنافح عن مصلحتهم والأكثر "طائفية" و"تعصبا"، فبينما تعد جماعة "14 آذار" مناصريها بأنها ستنتزع لهم حصة مسيحية تصل إلى 55 نائبا بأصواتهم الذاتية في حال اعتمد قانون الخمسين دائرة، يعد مسيحيو "8 آذار" ناخبيهم بحصة مماثلة في حال تمت الموافقة على مشروع اللقاء الأرثوذكسي.

والمهزلة في كل ما سبق أن الدراسات يناقض بعضها بعضا حد التضاد التام. وثمة من يقول إن الأفرقاء يحتسبون الأصوات وفقا لروح النظام الانتخابي القديم، بينما القانون الجديد سيفرز حالة مختلفة تماما، يرجح أن تأتي بالطرفين بحصص متقاربة إلى الحكم، خصوصا أن القانون القديم لم يكن يستجلب إلى صناديق الاقتراع أكثر من نصف اللبنانيين، بينما قانون نسبي قد يحفز الناخبين على المشاركة بكثافة مما سينسف التوقعات المسبقة.

وهكذا ضاع السياسيون وضيعوا معهم ناخبيهم، فهم يقولون في العلن إنهم يحاولون تأمين مصلحة المسيحيين. أما في السر فكل يبحث عن نقل البلاد إلى محوره ودائرة نفوذه، ليطبق على أنفاس الفريق الآخر.

وبانتظار الحسم في سوريا، الذي هو وحده الكفيل برسم الصيغة اللبنانية الجديدة، فإن اللعبة القديمة المهترئة في لبنان متواصلة فصولها. فالانتخابات كما هو معروف، اختيار للناخبين بين برامج تتنافس على تأمين فرص العمل والتعليم والطبابة والماء والكهرباء، بينما لم يذُق المواطن اللبناني ممن انتخبهم، لغاية الآن، غير التفقير والتهجير والاستغلال القميء.

التراجيديا مستمرة، ولا يزال الاختلاف قائما، على عدد الكراسي، وتوسيع النفوذ، وتوزيع قالب الجبنة، بينما يتدهور الوضع المعيشي في لبنان، وتتدنى الخدمات إلى مستوى غير مسبوق، وتقرع الهيئات الاقتصادية ناقوس الخطر. ولكن على من تقرع "نواقيسك" يا داود؟(الشرق الأوسط)

شارك على جوجل بلس