الإسلاميون يبيعون تاريخ مصر للدوحة!


بقلم: سمير النيل

لأربعة آلاف وخمسمائة عام هو رابض في مكانه، هانئ قانع، لم تهده عواصف الزمن، ولم تغيره عوامل التعرية ولا تبدل الفصول، يستقبل زواره من شتى بقاع العالم بألفة غامرة، يوقع لهم على "أوتوغرافات تاريخية" كما نجوم السينما والرياضة،

فيما الزوار يعودون لبلدانهم ليحكوا عن بهاء التاريخ وعبقه، وذلك المزج الفريد بين حكمة الإنسان وقوة الأسد.

إنّه "أبو الهول"، الذي ربما يبارح مكانه من هضبة الجيزة على الضفة الغربية للنيل بمصر، إلى الدوحة القطرية، بعد أن حطم كل الأرقام القياسية في "الثبات" و"السكون"، مما حدا بأمير الشعراء شوقي أن يطالبه بأن يتحرك ويطير، قائلاً له في قصيدة حملت اسمه "أبو الهول": "تحرك أبا الهول، هذا الزمان تحرك ما فيه، حتى الحجر".

هذا ما يريده الإخوان المسلمون لـ"أبو الهول"، بعد أن حملت الأنباء خبراً مفاده أن الحكومة المصرية الإخوانية ترغب في تأجير الآثار المصرية لقطر مقابل 200 مليار دولار، تستخدمها الحكومة لسد العجز في الميزانية، البالغ نحو 120 مليار جنيه (17.8 مليار دولار)، ودعم السلع الأساسية مثل منتجات الطاقة بما فيها الوقود والسولار، والخبز وبعض الخدمات الأساسية، لكن ماذا تساوي الـ 200 مليار دولار هذه لأكثر من 90 مليون مواطن مصري؟ فلو افترضنا أن الـ 200 مليار دولار ستوجه بشكل مباشر للدعم، وأن الشعب هو المستفيد الأول من هذه الصفقة، فإن نصيب الفرد من هذا الدعم لن يتجاوز الألفي دولار بكثير، 2222 دولار تحديداً، فهل قيمة الآثار المصرية بالنسبة لأي مواطن مصري "غير إخواني" تعادل هذا المبلغ الضئيل؟

إن "أبو الهول" وغيره من الآثار تسهم، منذ أن عرف الناس السياحة بمفهومها الحديث، في دعم الاقتصاد المصري سنوياً بمليارات الدولارات، لدرجة أن مصر تعتبرها ضمن منظومة الأمن القومي التي تُعد بمثابة الخط الاحمر، غير أن الإخوان يريدون الآن العبث بها، وبتاريخ يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام في غمضة عين، وهو امتداد لبعض الدعوات التي رددها بعض السلفيين في العام الماضي بضرورة هدم الأهرامات و"أبو الهول" بحجة أنها أصنام تعبد من دون الله، وكأنهم رأوا الناس تذهب بقرابينها للتقرب والتبرك بها!

لقد كان "أبو الهول" ملهماً للفراعنة وملوك الآشوريين وقدماء الإغريق الذين قاموا باستنساخ أنثى له، قبل أن يصبح مادة خصبة لعصر النهضة الأوروبية، ويجد مكانه في فن الديكور الأوروبي، فصُنعت منه نسخ مشابهة في إيطاليا وفرنسا، وحتى المصريون القدماء أنشأوا نسخاً عنه كتلك التي تزين طريق الكباش، الذي يربط بين معبدي الكرنك والأقصر في جنوب مصر.

لن تكون هذه أول مرة يتم فيها التعدي على "أبو الهول" الأشعث، إذ أن الروايات تتداخل وتختلف حول التعدي عليه، غير أن الثابت هو أن "أبو الهول" فقد أنفه، فمع الاحتلال الفرنسي لمصر حاول نابليون تحطيمه بالمدفع، إلا أنه لم ينجح إلا في تحطيم أنفه الطويل، لكن المؤرخ المصري المقريزي يرى في "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار" أن تحطيم الأنف بسبب أحد المتشددين اسمه محمد صائم الدهر الذي أراد تغيير أشياء وصفها بالمنكرات، فما كان منه إلا أن "سار إلى الأهرام وشوّه وجه أبو الهول وشعَّثه، فهو على ذلك إلى اليوم".

إن كان صائم الدهر قطع أنفه، ها هم الإخوان يريدون تأجيره، متناسين القيمة التاريخية، والتراثية الثقافية، فهل سنرى يوماً "أبو الهول"، بطوله البالغ 73.5 متر، وارتفاعه الذي يصل لنحو 20 متر، وعرضه الذي يتجاوز الـ 6 أمتار، محمولاً على سفينة قطرية مودعاً حكمته وقوته، وظلال الهرم الأكبر، وشمس مصر بعد أن ظل لآلاف الأعوام ينعم بها؟

وهل تصدق نبوءة أمير الشعراء الذي نعى زماناً لا ثابت فيه إلّا المتحرك؟(24.ae)
شارك على جوجل بلس