الحلم السوفييتي يراود قيصر روسيا الجديد


بقلم: أندرو وود


لم تكن الحرب الباردة بالدرجة الأولى حربا بل بالأساس تصادم قيم وطموحات بين الاتحاد السوفييتي والغرب اتخذ أشكالا متنوعة على مدى العقود التي استمر فيها. فلا الاتحاد السوفييتي ولا الغرب يماثلان الآن النموذج الذي ساد ما بعد سنة 1948، لكن ظلالهما ما زالت تسكننا إلى حد الآن لأسباب متجذرة في واقع الزمن الحاضر.

 كان الرئيس فلاديمير بوتين منذ وصوله إلى السلطة واضحا في ما يخص استعادة روسيا لمكانتها كقوة عظمى و"الخطر" (حسب تعبيره) الكامن في "انزلاق" روسيا إلى المنزلة الثانية. إن الأشخاص الذين تولوا السلطة في موسكو في 1991 – 1992 لم يكونوا رجالا جددا بل قدموا من بين صفوف أولائك الذين حكموا في فترة الاتحاد السوفييتي.

 وباعتراف دولي، روسيا هي الدولة التي خلفت الاتحاد السوفييتي، وبرغم كل الضغوط الداخلية لإجراء إصلاحات لم تصبح روسيا بعد انهيار الدولة البلشيفية بلدا جديدا، ناهيك عن بلد محرر، بينما كانت بعض الدول الأخرى من الفضاء السوفييتي، وخاصة البلدان المنضوية تحت معاهدة وارسو ، أكثر قدرة على إعادة تشكيل نفسها.

روسيا وأميركا

 ما انفك بوتين ينظر إلى الولايات المتحدة باستمرار على أنها النظير الضروري لروسيا، وقد لا يكون الوحيد الذي يحمل تلك النظرة بيد أن قوتها تكمن في شحنتها العاطفية وليس عقلانيتها المتأصلة. والنتيجة هي تحديد الخيارات أمام روسيا وتشويه سياساتها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها كثرة الإنفاق العسكري بما في ذلك الوزن الكبير الذي تعطيه موسكو إلى الأسلحة النووية، فضلا عن النظر إلى الخطط الأميركية لنشر صواريخ اعتراض في بولندا ورومانيا على أنها موجهة ضد روسيا. وكذلك سعي موسكو المحبط إلى البحث عن الندية بينها وبين أمريكا وهو ما تسبب في دورة منتظمة من إنهاء العلاقات واستعادتها بين البلدين.

هناك أيضا ريبة بوتين العميقة والدائمة في التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية الروسية وخاصة من جانب الولايات المتحدة. وقد يكون أمرا من الطبيعة البشرية بالنسبة إلى الروس بأن يروا العالم الخارجي داهية كبيرة وشريرا إذ أن إلقاء المرء اللوم على الآخرين لفشله ليس مقتصرا على روسيا، لكن الاعتقاد بأن الوكالات الأجنبية تعمل بالشكل الذي تدعيه السلطات الروسية الحالية هو دلالة على الخوف وليس وصفا للواقع الراهن أو حتى الممكن.

إن النظرة الغربية إلى الواقع الروسي بدورها تعكس أفكارا ملونة ببذور الحرب الباردة، وأحد الأمثلة لهذا الانعكاس هو الميل إلى المبالغة في حجم التغيرات الحاصلة في ربع القرن الأخير وهو ما جعل البعض يعتقد في حتمية تطور النظام الروسي في اتجاه ما يراه الغرب "الطبيعية" مع تغير الأجيال و/ أو ظهور طبقة وسطى قوية. ويبدو أن الكثير من الناس يعتقدون أن ذلك يستتبع وجوب تصرف الغرب برفق مع روسيا في الوقت نفسه.

وبالتأكيد تستمر الفكرة بأنه يوجد شرق تمثله موسكو، وغرب تمثله الولايات المتحدة، لذا يفترض أن تكون الفكرة العامة لتوازن المصالح جزءا من السير الطبيعي للأمور.

ولا يخضع هذا النوع من الفرضيات كثيرا للاختبار بما أن الاهتمام حول روسيا ينزل في سلم الأولويات في شمال أميركا وبدرجات متفاوتة في أنحاء متفرقة من أوروبا. مع ذلك ما زال هناك تردد واضح في قول أو فعل أي شيء يثير غضب موسكو وذلك يرجع في جزء منه إلى كون أجندة موسكو العاطفية مفهومة إلى درجة كبيرة. فهناك أشخاص في أوروبا الغربية يشعرون بأنهم على صواب في اتباع سياسة “التشريك” كهدف في حد ذاته، وهو شعور نابع من ثقتهم بتفوقهم في الفهم مقارنة بالأميركيين الأقل رقة. فروسيا بعد كل شيء هي جزء من أروبا ومن ثم يمكن افتراض كونها تتقاسم موهبة أوروبية معممة.

وبالرغم من أنه يمكن معارضة بعض السياسات الأوروبية والأطلسية تجاه روسيا، فلا يمكن قبول القول بأن الأجندة الغالبة كانت الغاية منها إلحاق الضرر بروسيا وهي ضعيفة. إن البلدان الغربية يمكن أن ترتكب أخطاء ويمكن أن تنافق أو تتعامل بازدواجية ويمكن أن تنسى أن قانون النتائج غير المقصودة ينطبق عليها أيضا مثلما ينطبق على أي أحد آخر. ونفس الأمر صحيح طبعا بالنسبة إلى روسيا. ومن قبيل التشويه النظر إلى هذه المسائل بالأساس من المنظار الموروث للحرب الباردة بين الغرب والشرق.

شراكة استراتيجية

 إحدى المدارس الفكرية في واشنطن (لها صدى أيضا في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي) جادلت في ذروة فترة التفاؤل بإعادة العلاقات مع روسيا بأن الهدف الصحيح هو العمل من أجل تحقيق “شراكة استراتيجية” تقر بحق روسيا في المطالبة بالهيمنة على جيرانها وتتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان داخل البلاد من أجل مصلحة تعاون أوسع.

 ويفسر أصحاب هذا الرأي بأنه إذا تبنت الولايات المتحدة (والاتحاد الأوروبي إذا دعت الحاجة إلى ذلك) مثل هذه الأجندة الواقعية سيتقلص خوف روسيا وربما يزداد تفتحها على التطور في اتجاه ليبرالي.

لقد خابت الآمال التي كانت معلقة على الرئيس دميتري مدفداف، لكن حتى وإن لم يكن الأمر كذلك كان تأثير هذه المقاربة سيكون محاولة إدامة نظام مرتكز على مبادئ مستخلصة من نموذج قديم أثبت عدم نجاعته. إن الكتلة الروسية الأصغر حجما لن تكون أكثر عدلا أو ديمومة من سلفها السوفييتي.

وهذا يثير مسألة القيم. ركز الرئيس بوتين في خطابه إلى المجلس الوطني في شهر كانون الأول 2012 على أهمية استبطان قيم روسية معينة في بلده وحذّر مرارا وتكرارا من الحملات الخارجية لترسيخ قيم أخرى. وبالرغم من أنه لم يحدد ما يعنيه بالضبط كان المقصد العام واضحا، فبوتين لا يشاطر الرأي بأن القيم ذات أهمية من درجة ثانية، وهو محق في ذلك.

 لكن المشكل بالنسبة إليه أن ما يحتاجه الروس ويرغبون فيه ليس العقار السحري الذي يستعرضه، بل ما لا يستطيع توفيره: قضاة نزهاء وحكومة قابلة للمساءلة وقوانين يمكن فهمها وتطبيقها بطريقة متسقة.

إن مصلحة الغرب على المدى البعيد تتمثل في تحقيق روسيا للازدهار والاستقرار المرتكزين بالضرورة على حكومة خاضعة لحكم القانون ومجتمع ينشأ داخل إطار مقبول ومفهوم.

وهذا بالتأكيد ما يرنو إليه الروس بطريقتهم الخاصة وفي الوقت الذي يناسبهم  ولا يتعلق الأمر بتاتا بأن تكون روسيا "قوة عظمى أو خصما نظيرا للولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد الأوروبي ، فليس من مصلحة أي بلد غربي زعزعة استقرار روسيا أو انهيارها بل العكس تماما هو الصحيح".

لكن المشكل هو أن القيادة الحالية وخاصة الرئيس في روسيا متمسكة بفكرة أن الغرب وخاصة الولايات المتحدة يسعى بشكل عدائي ومصمم إلى إضعاف روسيا.

وهنا يجب على البلدان الغربية ألا تتغاضى عن فكرة أن لروسيا الحق في التحكم في نوع الحكومة والسياسات لدى جيرانها  ويجب عليها إلزام روسيا بتعهداتها بما في ذلك ما يتعلق بحقوق الإنسان. وعليها أيضا أن تنظر إلى القذى في أعينها: غوانتنامو والطائرات دون طيار وإملاءات بروكسيل التي تعوض المساءلة الديمقراطية في البلدان الأوروبية والتدخل في البلدان الأخرى أو تقييد حرية التعبير بتعلة القضاء على "جرائم الكراهية" مثلا. وعلى البلدان الغربية أن تبني آمالها وتوقعاتها على طبيعة التطورات الداخلية الروسية، وعلى الغرب أيضا أن يتذكر أن الروس سيحكمون على تمسكه بالقيم التي يدعيها من خلال الأفعال فهم يميزون جيدا لغة النفاق ويفهمونها.(العرب اللندنية)

شارك على جوجل بلس