الجانب المظلم لثورة المعلومات: إدمان الأخبار والمخدرات يقود لنتيجة واحدة!



بقلم: كرم نعمة

أثار تحذير كاتب متخصص بفلسفة الاقتصاد من تأثير الأخبار على صحة الإنسان، ردود فعل متصاعدة، بعد ان اعتبر قراءتها تفاقم الخوف وتتسبب بالعدوانية، وتعيق قدرة الدماغ على الإبداع وعلى التفكير العميق.


ونصح الكاتب السويسري رولف دوبلي في كتابه الجديد "الأخبار فن التفكير بوضوح: عمق الفكرة وعمق القرار" بالتخلي عن متابعة الأخبار وقراءتها من أجل سعادة الإنسان.

وعرض دوبلي للتأثير السيئ للأخبار على الإنسان عبر عناوين مقترحة وقيامه بتفسير دلالتها في استعراض لقصص إخبارية.

ووصف الأخبار بأنها مضللة وحشو فارغ ولا تفسر ذاتها وتسمم البدن وتزيد من الأخطاء الإدراكية وتغزو مساحة التفكير في الدماغ.

وأكد أن الأخبار كالمخدرات، وهي مضيعة للوقت وتجعل قارئها متلقيا سلبيا وتقتل الإبداع في داخله.

في وقت اتهم صحفيون الباحث السويسري بالمبالغة وطرح أفكار خطيرة لعزل الانسان عن المحيط الاجتماعي والسياسي، ليصبح فارغاَ ذهنيا.

وقالت ماداين بونتنغ المحررة في صحيفة الغارديان ان أفكار رولف دوبلي متطرفة أكثر مما ينبغي، وعلينا تخيل كيف تكون حياة الانسان عندما ينقطع عن متابعة أخبار العالم.

وأكدت على عكس ما توصل اليه المحلل السويسري، إلى ان عدم متابعة أخبار العالم وليس الادمان عليها تفقد الانسان بصيرته.

واشارت بونتنغ في تقرير آثر عرض الكتاب الذي أثار ردود أفعال متباينة إلى أن "الصحفيين يعملون أسوة بأي مهنة أخرى للرقي بالقيم الاجتماعية وتقديم الحقيقة إلى مزيد من الناس، ولهذا ترى الملايين يترقبون أخبار حركة المرور كي يتجنبون الطرقات المزدحمة، وهذه واحدة من وظائف الاخبار".

واشارت الى ان تدفق المعلومات على الانترنت يفوق قدرة الانسان المعاصر، وليس بمقدور أدمغتنا استيعاب كل ما ينشر من معلومات اليوم.

واختلفت مع رولف دوبلي على ان تصفح الانترنت لا يفقد الانسان تركيزه، مشيرة إلى ان الاطفال البارعين في التفاعل مع جهاز "أي باد" اللوحي أكثر تركيزا في التعامل مع ما يتلقونه من معلومات.

وأكدت أن الصحف تعرض دائما للاحداث والأفكار التي لا تصادف في مرورها على الانسان العابر لتزيد مساحة المعرفة في دماغه وتزيد قدرته على فهم التنوع الهائل في التجربة الإنسانية.

واتفقت مع المحلل السويسري على ان بعض الاخبار ترفع معدل القلق داخل الانسان، لكن هذا المعدل هو مقياس مقبول وفق مستويات التوتر التي تسببها طبيعة الحياة.

وقالت ان التعاطي مع الاخبار يشبه تناول السكر أو الكحول، فهو بحاجة إلى اعتدال صحي لا أدمان، مثل القراءة الخالية من الدسم.

واختتم تحليلها بالقول ان التراجع عن متابعة أحداث العالم تقود لا محالة إلى الجهل، بينما هناك مسؤولية إنسانية لمعرفة وفهم العالم والعصر الذي نعيش فيه. وشبهت ذلك بالسبب الجذري للديمقراطية، "ولنا ان نتخيل أي ديمقراطية يمكن أن نعيشها إذا كان الناس لا يريدون المعرفة؟".

وقال رولف دوبلي في كتابه الذي تناولته الصحف البريطانية باهتمام إنه قرأ عشرة آلاف خبر على مدار سنة كاملة، ولم تساعده على اتخاذ قرار بشأن مسألة مهمة في حياته.

وتتفق المدارس الإعلامية على أن الأخبار السيئة هي أخبار جيدة ويجب إبرازها في النشر والتأكيد عليها وملاحقة تداعياتها، بعكس الأخبار المفرحة. ولذلك تبدأ عادة نشرات الأخبار الرئيسية في الصحف بأنباء الزلازل والانفجارات والحروب.

ويتميز دماغ الإنسان بقدرة لا تشبع على تلقي وهضم الأخبار التي تتناول قصصا تافهة عن الغرائب وحياة النجوم والسياسيين، لكنها لا تؤثر بمصير متلقيها من وسائل الإعلام، على عكس الكتب ومقالات المجلات الرصينة لأن القراءة الطويلة تتطلب التفكير والتعمق في دلالة المحتوى.

والمقارنة بين قراءة الأخبار وقراءة التحقيقات في المجلات والكتب كالمقارنة بين الأثر العابر لقطعة الحلوى والأثر الطويل للوجبة الدسمة.

وتوصل مؤلف الكتاب إلى أن الإنسان عرف تأثير الأطعمة السيئة بعد أربعين عاما من التحذيرات الطبية، واليوم بدأ يدرك "سمية الأخبار" بعد وقت قليل من ثورة المعلومات التي تحاصره في البيت والشارع والمقهى والحافلة والقطار.

وعرض مثالا خبريا عن قدرة الأخبار على التضليل عندما عرض لخبر سائق يسمع بحادث على جسر وهو في طريق توجهه للمرور عليه، من دون أن يكشف الخبر المذاع عما إذا كان الجسر لازال صالحا للمرور عليه أم لا، مما سبب له توترا إثر توسع خريطة المخاطر أمامه أثناء القيادة، وكيف "تسمم الأخبار البدن" عند مشاهدة خبر سقوط طائرة على شاشة التلفزيون، أثناء قرار توجه مسافر إلى المطار، الأمر الذي يدفعه إلى إعادة التفكير بقراره وما يترتب على ذلك من ارتباك التأمل الداخلي مع نفسه.

ويرى مؤلف كتاب "الأخبار فن التفكير بوضوح: عمق الفكرة وعمق القرار" أن المستقبلين للأخبار يجدون صعوبة بالغة في ربطها بأي شيء ذي صلة بحياتهم، وهي تقدم الجديد في معركة التنافس القائمة في العصر الحديث بين المؤسسات الإعلامية.

ولا يسهم تراكم الأخبار في معرفة الحقائق للمساعدة على فهم العالم، بل يقدم مختصرات هي أشبه بالفقاعات السطحية الموجزة والبطيئة التي تهضم بسرعة فائقة من دون أي فائدة معرفية راسخة.

وتغذي متابعة الأخبار الأخطاء المعرفية بسبب تحيز الخطاب الإعلامي وفقا لتوجهات ومصالح المصدر الباث للخبر، مثال على ذلك ما يكتبه الصحفي "تذبذب مؤشر السوق بسبب كذا…" أو "أفلست الشركة بسبب…".

ويرى رولف دوبلي أن الأخبار تثبط التفكير وتمنعه من التركيز، وهي كالفيروسات التي تسرق الانتباه لأغراضها الخاصة، وتؤثر بشدة على الذاكرة وتجعلها ضحلة.

ويفسر دوبلي ذلك بنوعية الذاكرة التي يقسمها إلى ذاكرة طويلة الأمد، وهي التي تساعد على فهم الأشياء عند مرور المعلومات من خلالها، وذاكرة عاملة، وهي التي تحدد المسار القصير الذي يقتصر تلقيه على المعلومات الزلقة وتمثل نقطة الاختناق في الدماغ.

ويؤثر تصفح الأخبار على الانترنت بشكل أسوأ من سماعها أو مشاهدتها على شاشة التلفزيون، حيث ذكرت دراسة لاثنين من العلماء الكنديين ان التشعبات عادة ما تخفض القدرة على الفهم، وتصفح الانترنت يحيل بالضرورة إلى فتح صفحات لاحقة مترابطة، الأمر الذي يؤثر على خيار الدماغ الذي يفضل الاستمرار في الفهم على الخيارات الأخرى.

ويرى العلماء أن جمجمة الإنسان البالغ تحتوي على مئة مليار خلية عصبية، فيما تدفق الأخبار على الدماغ جعله يحتوي على عدد أقل بكثير من هذه الخلايا.

واستهلاك المزيد من الأخبار يهدد المهام التي يجب ان نستخدمها في الدماغ للقراءة والتفكير العميقين، فضلا عن التركيز، الأمر الذي أفقد الإنسان القدرة على استيعاب المقالات المطولة أو الكتب الرصينة.

ويرى رولف دوبلي أن معظم مستهلكي الأخبار يشعرون بالتعب بعد قراءة أربع أو خمس صفحات في كتاب وإن كانوا متعطشين إلى قراءته بسبب تغير الهيكل المادي لأدمغتهم، وهذا التغيير لا علاقة له بكبار السن أو بازدحام جدول الأعمال أو الإرهاق، بل بسبب التلقي المستمر للأخبار السطحية.

ويفقد الإنسان ما معدله نصف يوم أسبوعيا في قراءة الأخبار إذا خصص لها خمس دقائق في الصباح و15 دقيقة أثناء الغداء و 15 أخرى قبل أن يذهب إلى النوم، تضاف إليها خمس دقائق هنا وهناك في العمل أو المقهى، بينما المعلومات لم تعد سلعة نادرة وهي متوفرة بشكل مكثف في العالم المعاصر. ويفسر دوبلي كيف تقتل الأخبار الإبداع في الإشارة إلى براعة الرياضيين والروائيين والكتاب والملحنين والأطباء والمصممين والمهندسين في إنتاج أعمال مبدعة في سن مبكرة من حياتهم، لوجود مساحة واسعة في أدمغتهم تشجع على التوصل إلى أفكار جديدة، مؤكدا أن قراءة الأخبار لا تقدم في أي حال من الأحوال حلولا إبداعية جديدة.

ولا ينفي رولف دوبلي حاجة المجتمع إلى الصحافة، لكن بطريقة مختلفة عن تقديم الأخبار السطحية، ويطالب بصحافة استقصائية تكشف لنا حقيقة المؤسسات والشركات، إضافة إلى المقالات الطويلة والعميقة.

وقضى دوبلي اربع سنوات من دون أن يتابع الأخبار وهو ما جعله يشعر بنوع من الحرية، وانقطاع أقل مع الذات، وقلق أقل وتفكير أعمق، ومزيد من الوقت للرؤى.(ميدل إيست أونلاين)

شارك على جوجل بلس