لماذا يفشل الأدباء الكبار في العمل الصحفي؟


بقلم: كرم نعمة


هل الكتّاب الكبار هم صحفيون كبار؟ يمكن أن نتحدث هنا عن غابريال غارسيا ماركيز وأمبرتو ايكو، كما سبق وان تم الحديث عن همنغواي كصحفي، هل أدرك ت أس اليوت مثلا الحس الصحفي عندما كان يقيس الزمن بملاعق القهوة والشاي؟


وثمة ما هو أكثر مما قدمته "السيدة دالاوي"!، ففرجينيا وولف أكثر بكثير من روائية، كذلك يكشف لنا الناقد الألماني ميشائيل مار مقطعاً عرضياً مركزا من فرجينيا وولف بعد شهرتها ككاتبة لمراجعات الكتب في ملحق جريدة التايمز، وكيف ألفت كتابها "القارئ العادي" وصارت تقرأ بانتظام يذكرنا بغوته، الملاحظات التي خلفتها حول قراءتها تملأ لوحدها نحو ثلاثين مجلداً.

أما الترفع المبالغ به لبعض الكتاب عن "الصحافة" فلا يمكن تفسيره بأكثر من ضعف أدواتهم بتقديم المادة الصحفية بتقنية مقنعة للقارئ وخالية من الاستطرادات الفارغة وغير المهمة، وهذا التفسير يساعدنا في عرض أمثلة مهمة عن صحفيين نجحوا في كتابة أدب متميز، بينما نجد عددا أقل منهم بكثير من الأدباء الذين أقنعوا القارئ بانجازاتهم الصحفية.

فالكاتب في مجلة "نيويوكر" إيفان أوسنوس يكاد يكون أحد الأمثلة المعاصرة التي تجمع الصحافة بالأدب، كما يقدمه جيمس برينر في مقال بأخبار رجال الأعمال وأعاد موقع شبكة الصحفيين الدوليين نشره.

فأوسنوس بارع في سرد القصص كما هو بارع في كتابتها في الصحف وباقي المطبوعات. لقد عبّر طلاب الصحافة في جامعة تسينغوا عن إعجابهم الشديد عندما بدأ الكلام عن صناعة قصة من أجواء ضعيفة المصادر.

وشارك أوسنوس الحضور بعض أسرار الكتابة في مجلة نويوركر، المعروفة بالكتابة عن الشخصيات الشهيرة والفريدة من نوعها.

يخبر أوسنوس الطلاب أن الصحفي المراسل يجب أن يذهب أبعد بكثير من نقطة الاستسلام التي يصل إليها الشخص العادي كي يستطيع النشر في مجلة نيويوركر، فالمعيار الأساسي هو جعل الناس التي لا تأبه لموضوع ما، أن تقرأ المقالة كاملة حتى النهاية.

أخيرا قال أوسنوس للطلاب، عندما تجدون أنفسكم غير قادرين على جمع المعلومات يجب عليكم "أن تصروا على فتح هذه الأبواب، يجب أن تكونوا مبدعين وتملكوا الإصرار الكافي..".

إلا انه لم ينس النصيحة الأخيرة التي يقدمها "ابقوا مبتسمين دائماً، فيجدكم الأشخاص أقل تهديداً مما يجعلهم يفصحون عما لديهم من معلومات، على عكس مما لو اقتربت منهم كمراسل صحفي متزمت في عمله".

لكن هل يشعر الصحفي الايطالي روبرتو سافيانو بالراحة بعد ان أغدقت عليه كتابة رواية من مشاهد صحفية عاشها مع المافيا، بالمال والشهرة؟

رواية "غومورا" التي باعت 1.2 مليون نسخة في ايطاليا، وتمت ترجمتها إلى 42 لغة أصابت مؤلفها بشعور وصفه "بالموت أثناء الحياة" بسبب التهديدات التي تلقاها من المافيا ببلاده.

الرواية التي هددت حياة مؤلفها الصحفي الشاب روبرتو سافيانو "31 عاما" تكاد تسجل وقائعها صحفياً بلغة روائية عن اللامبالاة المحيرة التي تنتاب القتلة في نابولي!

وتغلغل مؤلف الكتاب بهيئة صحفي يخفي مهمته، وبحس روائي وكأن حصان يتألم في أعماقه، في بنيان هذا التنظيم الإجرامي العالمي الذي يمتلك سلسلة أعمال غير شرعية تسيطر على اقتصاد العالم، وفضح ما لم يتجرأ أحد على كشفه من قبل وقدم الأدلة التي تدين المافيا مشفوعة بالأدلة الثابتة، دون مبالاة بالعواقب التي قد تصيبه.

لقد أضحى هذا الصحفي- الكاتب مكروها من قبل شريحة كبيرة من الناس في المنطقة التي يأتي منها بسبب نجاح الرواية هو جرح لن يندمل يوماً في داخله.(العرب اللندنية)
شارك على جوجل بلس