هل استفاقت الدولة العميقة في مصر؟



بقلم: خيرالله خيرالله

ما الذي يعترض عليه المصريون؟ ما الذي جعل الملايين ينزلون الى الشارع في تحد مباشر لجماعة الاخوان المسلمين؟ الاكيد أن اعتراضهم ليس على فوز الدكتور محمد مرسي، مرشح الاخوان المسلمين، في انتخابات رئاسة الجمهورية.


لا يشكّ اثنان في أن مرسي يمتلك شرعية، على الرغم من كلّ ما شاب الانتخابات الرئاسية من مخالفات. فمرسي رئيس منتخب، وهو أوّل رئيس منتخب من الشعب مباشرة في تاريخ مصر.

نعم، يمتلك محمّد مرسي شرعية...الى حدّ ما. واستخدام عبارة "الى حدّ ما"، يعكس تحفّظاً. هذا التحفّظ ليس عائداً فقط الى أن هناك كثيرين يعتقدون أن التزوير رافق الانتخابات الرئاسية قبل سنة وأن الفائز الحقيقي فيها هو اللواء أحمد شفيق الذي كان يمثّل الى حدّ كبير ما يطمح اليه معظم المصريين.

هذا التحفّظ عائد الى أن الفوز في الانتخابات لا يعني تغيير طبيعة مؤسسات الدولة في العمق وتطويعها كي تصبح مصر "جمهورية اسلامية" على الطريقة الايرانية بدل أن تكون الثورة على نظام العسكر توطئة لاقامة نظام ديموقراطي يسمح بالتعددية الحقيقية. نظام، لا يكون مجرّد غطاء لاستيلاء الاخوان المسلمين على البلد وتكرار تجربة العسكر التي بدأت بانقلاب على النظام الملكي نقل مصر من كارثة الى أخرى توجت بهزيمة 1967.

في بلد مثل مصر، لم تكن فيه حياة ديموقراطية منذ الانقلاب العسكري في العام 1952، كان من الخطأ تنظيم انتخابات رئاسية وحتى نيابية، مباشرة بعد ثورة شعبية أدّت الى تنحي الرئيس حسني مبارك ومعه نظام حكم مصر نحو ستين عاماً...عن طريق المؤسسة العسكرية أوّلاً وأجهزة الامن ثانياً وبعض الشخصيات المرتبطة ـ منذ العام 1970 ـ بما يسمّى سياسة الانفتاح التي كانت أقرب الى الرأسمالية المتوحشة من أي شيء آخر...ثالثاً وأخيراً.

لم يكن الشعب المصري مهيّأ لانتخابات حرة، خطفها الاخوان المسلمون، مثلما خطفوا قبل ذلك "ثورة الخامس والعشرين من يناير" التي كان في اساسها شباب مصري يرفض الديكتاتورية والاحزاب الشمولية.

يستطيع مرسي التذرّع بالشرعية من أجل رفض مطالب الشعب المصري التي تدعمها القوات المسلّحة. كان يستطيع ذلك بالفعل لولا أنّ ما قام به الاخوان المسلمون منذ توليه الرئاسة كان يصبّ في اقامة نظام جديد على قياسهم يكفل لهم البقاء الى السلطة الى ما لانهاية.

كشف الاخوان باكراً لعبتهم التي لم تعد تنطلي على أحد، خصوصاً على المواطن المصري العادي الذي أدرك باكراً أنّ الاخوان المسلمين لا يستطيعون حلّ أي مشكلة من مشاكل مصر وأن أقصى ما يستطيعون عمله هو نقل تجربة غزة البائسة الى ارض الكنانة. أكثر من ذلك، تبيّن أنّ الاخوان غير قادرين حتى على التصدي للإرهاب المنتشر في سيناء والذي في أساسه الوضع القائم في غزة حيث أقامت "حماس"، وهي جزء لا يتجزّأ من التنظيم العالمي للاخوان، "إمارة طالبانية"...مخترقة ايرانياً.

أراد الاخوان بكلّ بساطة استخدام الانتخابات من أجل الوصول الى السلطة. هذا أمر مبرر. ولكن ما ليس مبرراً هو العمل بعد ذلك على وضع اليد على كل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الشرطة والقوات المسلحة والاجهزة الامنية والمحافظين، وذلك كي تكون هناك انتخابات ديموقراطية لمرّة واحدة.

مثل هذا التصرّف يتناقض كلّياً مع الديموقراطية الحقيقية والتعددية وهو بمثابة الغاء لمكتسبات الثورة المصرية التي شاركت فيها القوات المسلّحة بطريقة أو بأخرى ستكشف الايّام تفاصيلها وملابساتها.

كان للقوات المسلحة دور في تنحي الرئيس مبارك الذي تقدّم في السنّ وتميّزت السنوات الاخيرة من عهده بحال من الضياع والقرارات الخاطئة وصراع بين اجنحة عدة في السلطة بسبب قضية التوريث.

من الواضح أن المصريين، بأغلبيتهم الساحقة، يرفضون حكم الاخوان. لم يتخلصوا من نظام العسكر ومن نظام حسني مبارك كي يأتي نظام أكثر تخلّفاً منه من كلّ النواحي. لم يستطع الاخوان حتى المحافظة على هيبة الدولة. على العكس من ذلك، انتشرت الفوضى في كلّ انحاء البلد. افتقد المصريون الامن.

كلّ ما فعله المصريون أنهم نزلوا الى الشارع وطلبوا من مرسي الرحيل. كلّ ما فعلته القوات المسلحة أنها رفضت أن يضع الاخوان يدهم عليها. ارادت القول للاخوان عن طريق دعم مطالب الشعب المصري، أن ليس هذا ما اتفقنا عليه عندما تخلصّنا معاً من حسني مبارك!

ماذا تحمل الايّام المقبلة لمصر؟ الجواب بكلّ بساطة أن مصر عند منعطف. الاكيد أن تمسّك الاخوان بالرئاسة سيزيد الوضع تعقيداً. ليس صحيحاً أنّ الذين نزلوا الى الشارع لن يصمدوا أكثر من أيّام وأن عليهم العودة الى منازلهم في اسرع مما يعتقد. مثل هذا الرهان كان رهان النظام السوري الذي ظنّ أن السوريين لا يمكن أن يستمروا في ثورتهم ما يزيد على سنتين وثلاثة أشهر على الرغم من أن العالم كلّه يقف ضدهم، كلّ على طريقته.

لم يعد سرّاً ان مصر مقبلة على تطورات في غاية الخطورة وأنّ السؤال المطروح هل لا يزال في الامكان إنقاذ البلد؟

ثمة ميل الى التشاؤم بالنسبة الى مستقبل مصر، ولكن من كان يتصوّر أن ملايين المصريين يرفضون ديكتاتورية الاخوان ويرفضون خصوصاً استخدام الدين من أجل تكرار تجربة العسكر التي استمرّت ستة عقود وكان في اساسها استيلاء ضباط من طينة جمال عبدالناصر على السلطة وكلّ همهم محصور في الانتقام من المدينة، أي من كلّ ما هو حضاري في البلد.

كان يمكن الذهاب بعيداً في التشاؤم لو لم يتدخل العسكر لانقاذ ما يمكن انقاذه مع التشديد على رفضهم العودة الى دائرة السلطة. انهم يرفضون وصف تحرّكهم بانقلاب عسكري. انه مجرد تذكير بأنهم ما زالوا موجودين وأنّ لا وجود لشيء اسمه الديموقراطية لمرّة واحدة...وهي الديموقراطية التي يرفضها المصريون ويكرّرون هذه الايام رفضها. هل هي استفاقة للدولة العميقة في مصر؟


شارك على جوجل بلس