وهم عودة مبارك وهشاشة الطبقة السياسية في مصر


بقلم: بليغ حمدي إسماعيل
خرج الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك بريئاً من كل الاتهامات التي وجهت إليه وكانت أبرزها قتل المتظاهرين السلميين في أثناء الانتفاضة الشعبية المعروفة سياسياً باسم ثورة يناير، وتهم الفساد المالي والتربح واستغلال النفوذ والسلطة، وتمت تسوية قضية تلقي هدايا عينية ومادية من مؤسسة الأهرام، وبعض التهم البسيطة الي استطاع محاموه أن يحققوا له البراءة والنجاة من حبل المشنقة تارة ومن السجن المؤبد تارة أخرى.

ثم أفادت الأخبار التي تناقلتها كافة وكالات الأنباء المحلية والعالمية نبأ وضع الرئيس السابق مبارك قيد الإقامة الجبرية خوفاً وتحسباً من تجدد المظاهرات التي قامت ضده منذ ثلاث سنوات وطالبت مرة بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، ومرة بتعديل وزاري وإلغاء نتائج انتخابات مجلس الشعب المزورة، ومرة ثالثة وأخيرة بإسقاط النظام.

خروج مبارك من محبسه إلى الإقامة الجبرية دفع المصريين إلى تداول الخبر والحدث إما بمزيد من السخرية التي يتصف بها المصريون، أو بمزيد من التظاهرات التي تقودها ائتلافات الثورة التي تظهر وتختفي وكأنها في أجازة سياسية، أو بمزيد من التحليل والتأويل لا للحدث نفسه فحسب بل واستشراف المشهد السياسي عقب هذا الخروج المتوقع.
 وبين السخرية والنكات التي طالت خروج مبارك وبين التحليلات السياسية كانت ثمة أمور يجب التنويه عنها والإشارة سريعاً ومصر اليوم تخطو بقفزات وليس خطوات نحو تكريس الديموقراطية وتأسيس وتشييد مؤسساتها التي ينبغي أن تعبر عن الشعب.

وبالرغم من حالة الحراك السياسي التي تسود المشهد المصري إلا أن تعامل أغلبية المصريين مع الحدث كشف عن مدى هشاشة المجتمع السياسي، وهم في هذا التعامل لم يفطنوا أن فكرة إعادة الأنظمة سقطت نهائياً من حسابات الوطن كشعب أو كمؤسسة ودولة، ولكن هؤلاء الذين راحوا وصالوا وجالوا يدعمون هواجس عودة نظام مبارك هم يستهدفون من وراء ذلك زرع اليأس في صدور المصريين رغبة منهم في تقليص فرص المواطنين في المشاركة في إحداثيات وفعاليات المشهد السياسي الراهن والمهم.

وأرى في بعض التحليلات التي عالجت نبأ خروج مبارك من محبسه مدعاة إلى تشتيت اهتمام المصريين بقضيتهم الراهنة وهي القضاء على كافة مظاهر العنف والإرهاب وكذلك القضية المصيرية وهي بناء الوطن في مرحلته الانتقالية الحرجة.

وهنا تبرز الحاجة إلى ضرورة التوقف عند فاصلة مبارك والانطلاق إلى ما هو حصري وضروري لمصر وللمصريين، وكم هو تحليل ساذج الذي خرج ليقول لنا أن خروج مبارك هو خطوة استباقية لإعادته من جديد للحكم غير مشير إلى طبيعة العمر الزمني أو ما بين مبارك نفسه وبين المصريين من تاريخ قديم أدى إلى إسقاطه وإبعاده نهائياً عن سدة الحكم والحل والعقد.

وثمة تحليلات سياسية أخرى تدفعنا إلى التعجب والدهشة من أصحابها تلك التي تحذر مبارك من العودة إلى الحياة السياسية وهم في ذلك ربما يعتقدون أن الرجل سنه يسمح بذلك من ناحية، أو أن الشارع المصري في لهفة إلى تلك العودة الحتمية.

ووسط أنباء الخروج نكتشف أنه هناك من يقول إن وضع مبارك قيد الإقامة الجبرية مناف تماماً لميثاق حقوق الإنسان ومخالف لقيم وقواعد الإنسانية، رغم أنه في ظل هذه الظروف الاستثنائية يكون وضع الرئيس السابق مبارك رهن الإقامة الجبرية حفظاً لأمن واستقرار البلاد والعباد خشية حدوث مظاهرات جديدة واندلاعها لأن الغضب تجاه مبارك في الحقيقة لم يأخذ طريقه إلى الزوال بل يزداد اشتعالاً منذ التحقيق معه قبل حبسه احتياطياً.

إذن، كل النقاشات والتحليلات التي تناولت حدث خروج مبارك وفرض الإقامة الجبرية عليه خطوات رجعية تأمل أن تعود بنا للنقطة صفر وإلى استعادة الثورة من جديد في الميادين والشوارع وإشارات المرور، وهم في ذلك أيضاً لا يدركون أن وعي الشعب المصري أكبر وأنقى لذلك فالشعب حريص اليوم كل الحرص في الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الفعل الثوري أو التثوير، وهذه الكلمة تعني اجتهاد المواطن في بناء وتشييد وطنه، وتعميره ونهضته.

إن مصر اليوم أدركت واقعها بدقة، واستفاقت من غفوة كادت أن تقضي على تاريخها ومستقبلها، ومسألة خروج مبارك من عدمه لن تجرنا أبداً إلى العودة للحظة الهبوط الاضطراري، لأن مصر اليوم بحاجة حقيقية إلى تجاوز مراحل التقويض والهدم النفسي، حتى وإن كان خروج مبارك سبيلاً لعودة بعض الوجوه القديمة لنظامه السياسي فإن ثمة علامات فارقة تفصل بين ظهور هذه الوجوه وبين إعادة نظام قديم أبرزها أن الثورة في مصر المحروسة مستمرة، وأن المصريين بمشاركة مؤسساتهم الرسمية هم أحرص الناس على إعادة الاستقرار.(ميدل ايست اونلاين)


شارك على جوجل بلس