بين ربيع الديمقراطية وشتاء الإخوان.. متى يستوعب العرب الدرس المصري؟


بقلم: فاروق يوسف

لم تنجح جماعة الاخوان المسلمين في اقناع الشعب المصري بأن سنة واحدة من فشلها في ادارة السلطة في مصر لا تكفي للحكم عليها بالفشل النهائي.

كان الاخوان يحلمون في سنوات أخرى من الفشل، يدفع الشعب المصري من خلالها ثمن وجودهم في سلطة ارادوها شمولية، فانقلب الشعب عليهم وجعلهم يدفعون ثمن مغامرتهم البائسة التي كادت تطيح بالتاريخ المدني العريق لمصر.

الاخوان يتحسرون اليوم على ضياع فرصة الشعب المصري في أن يعود إلى مرحلة ما قبل ثورة 25 ينير 2011. كان ذلك مخططهم وكانت تلك لعبتهم. ليكون الشعب من بعدها مجرد اداة لتغيير نظام شمولي هو نوع من العسكرتاريا المتأنقة مدنيا ليحل محله نظام شمولي، يتخذ من الدين وسيلة مهنية.

يتحسر الاخوان على ضياع فرصة المصريين في أن يعودوا عبيدا، مجرد مهرجين في سيرك عائم، لا وطن له لكي يعود إليه ويستلهم من عبقريته رؤى مستقبله.

لقد رغب الاخوان في أن يعيدوا انتاج تجربة العراق مصريا.

فشلوا في ذلك في الوقت الذي نجحت فيه الاحزاب والجماعات الدينية المتشددة في العراق في طي صفحة الدولة المدنية في العراق نهائيا، لتدخل البلاد والعباد في متاهة التأويل الماكر، فصار العراق مجرد وطن افتراضي، يعيش شعبه على أوهام الماضي، وهي أوهام تمزج الحسرة على ماض قريب لا يمكن استعادته بالحسرة على ماض بعيد، تتم اعادة انتاجه حسب الظروف السياسية ووفق برنامج يتشكل مثل مزاج متقلب بين قطاع الطرق الذين استولوا على السلطة بمباركة المحتل الأميركي.

لقد أدرك المصريون بحسهم التنويري الثاقب أن عراقا يقف في انتظار إن مرت لسنة الأولى من الفشل الاخواني بسلام.

كان من المتوقع أن تتعلم شعوبنا شيئا من الدرس المصري. شيئا ينفعها في استعادة رغبتها في التغيير الجذري الذي يؤسس لمعايير جديدة لعلاقة السلطة بالشعب، قوامها ديمقراطية تذهب في الاتجاه الصحيح الذي يدعم مفهوم المواطنة ويستند إليه، لا ديمقراطية تكتفي بصناديق الاقتراع التي تكف عن أن تكون موجودة بمجرد أن تُقلب لتفرغ من أوراقها.

وكما يبدو فان شيئا من التجربة المصرية يبدو عصيا على الفهم والاستيعاب بالنسبة للعرب. وهو ذلك الشيء الذي لا تشبه مصر بسببه أي بلد عربي آخر. فمصر الحديثة لم يؤسسها جمال عبدالناصر، بل أن دولتها المدنية تعود إلى ماض سبق ناصر بعقود طويلة.

لذلك يمكنني القول أن مصر المدنية هي التي قاومت حكم الاخوان وهي التي اطاحت بسلطتهم الشمولية. وإذا ما كان الاخوان قد قاوموا ذلك المحتوى المدني للدولة المصرية منذ السنوات الأولى لتأسيس جماعتهم فإنهم لم يدركوا حجم تأثير ذلك المحتوى على البنية الاجتماعية للشعب المصري.

لم يدرك الاخوان أن حلم المصريين إنما يكمن في الرغبة في استعادتهم لهوية المواطن التي لوثها العسكر بأناشيدهم القومية الفارغة ودعاياتهم المضللة التي راهنت للأسف على وطن مستقل وحر يخلو من مواطنين أحرار ومستقلين.

كان الحاكم المستبد جزءا من المشكلة التي ثار من أجلها المصريون ولم يكن المشكلة كلها. لذلك فقد نظروا إلى سقوط ظام حسني مبارك الذي هو استمرار لثورة يوليو 1952 باعتباره بداية التحول وليس التحول كله.

لقد راهن الاخوان (لا يزالون) على صناديق الاقتراع التي هي شيء لا قيمة له بالمقارنة بالارادة الشعبية التي اخترعت المناسبة التي أدت إلى أن تكون تلك الصناديق موجودة.

لم يسمح الشعب المصري للاخوان في افساد القيم الاساسية التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير فكانت الاطاحة بحكم الاخوان ميسرة، لا بسبب انحياز العسكر إلى جانب الشعب كما يشاع، بل بسبب اخلاص المصريين لارادتهم، التي هي مصدر قناعتهم في أن كل نظام قديم لم يعد صالحا للعيش في عالم صار يركز همه على أن يستوفي الإنسان شروط إنسانيته كلها.


حتى وإن سبقتنا مصر بعقود في تجربتها المدنية، فعلينا أن نحرق المراحل لنتعلم من درسها شيئا ينفعنا في صناعة مصائرنا.(ميدل إيست أونلاين)
شارك على جوجل بلس