هل يقف صالح خلف "مجزرة صنعاء"؟




صنعاء - بدّدت العملية الإرهابية المروِّعة التي نفَّـذها انتحاري وأدّت إلى سقوط 100 قتيل وحوالي 300 جريح في صفوف رجال الشرطة، أجواء فرْحة اليمنيين بالذكرى الثانية والعشرين لإعلان الوِحدة بين شطري البلاد.

كما أعادت مجددا المخاوف من تعثُّـر نقل السلطة من جديد، بعد أن كانت قد لاحت بوادر تطبيع الأوضاع المُـضطربة في البلاد منذ ما يزيد عن عام ونصف.

في الوقت نفسه، خلَّـف الهجوم جدلاً واسعاً في مختلف الأوساط، السياسية والإعلامية والثقافية اليمنية، على الرغم من إعلان أنصار الشريعة، فرع تنظيم القاعدة في اليمن، مسؤوليته عن تنفيذه، ويُـعزى ذلك الجدل إلى تداعيات التطورات الحاصلة على الجبهتيْـن، العسكرية والسياسية، في الأسبوعين الأخيرين.

وأرجع بعض المراقبين والمحللين الهجوم، إلى أنه محاولة لتخفيف الضغط العسكري على من يسمّون بـ "أنصار الشريعة" في جنوب البلاد، الذي تشنُّـه القوات الحكومية، مدعومة بقوات لِـجان الدفاع الشعبي والطيران الحربي، ضِـمن حملة واسعة تهدِف إلى "تطهير البلاد من أنصار الشريعة"، وِفق ما أعلن عنه الرئيس الإنتقالي عبده ربه منصور هادي قبل أسبوعين.

وقد أدّت تلك الحملة إلى تضييق الخِـناق على فلول المتشدِّدين الإسلاميين ودحْـرِهم من المناطق التي كانوا قد سيْـطروا عليها خلال الفترة الماضية، وأعلنوا فيها إمارات إسلامية تابِـعة لهم، كما أسفرت العمليات التي يُشرف عليها وزير الدفاع بنفسه، عن سقوط ما يزيد عن 200 قتيل من عناصر القاعدة، وهو ما دفعهم، حسب ذلك التفسير، إلى تنفيذ الهجوم الإنتحاري ضدّ قوات الأمن المركزي، انتقاماً لِـما تعرّضوا له من ضربات مُـؤلمة.

عملية انتقامية لا سياسية

وفي معرض التعليق على ذلك الهجوم المُروّع، قال عايش عواس، الخبير في شؤون الجماعات الجِهادية "من الواضح أن العملية، دوافعها انتقامية واضحة، لأن هدفها إسقاط أكبَـر قدر ممكن من الضحايا وسَـط الجنود".

في المقابل، استبعد عواس أن تكون دوافع الهجوم سياسية، موضِّـحاً أنه "لو كانت فِـعلاً كذلك، لاستَـهدفَـت قادة عسكريين أو سياسيين، خاصة أن المكان نفسه كان يتواجد فيه كلٌّ من وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، لكن منفِّـذ العملية اختار المكان الذي يَـسقُـط فيه أكبر عدد من الضحايا".

اضطرابات سياسية وعسكرية

مقابل هذا التفسير، هناك رأي لا يبتعد كثيراً في تحليله عن أجواء الاضطرابات السياسية والعسكرية، التي تعيشها البلاد، لاسيما استمرار التوتُّـر بين أطراف النُّـخبة، القبلية والعسكرية والسياسية، وما يقوم به الرئيس الإنتقالي عبد ربه هادي من إجراءات وتحوّلات بهدف تطبيع الأوضاع واستكمال نقل السلطة من سلفه علي عبدالله صالح، الذي ما زال يناور.

ويُحمّل أصحاب هذا التفسير، كما بدا في وسائل الإعلام وفي تصريحات وكتابات الكثير من الصحفيين والسياسيين، مسؤولية الهجوم إلى الرئيس المخلوع والموالين له، مستندين إلى الظرف السياسي والزماني والمكاني للهجوم.

وحسب هذا الرأي، فالمكان الذي استهدفته العملية، له دلالة رمزية مهمّة. فهو يقع في نطاق المنطقة العسكرية الجنوبية للعاصمة صنعاء، التي تخضع لسيطرة القوات المُـوالية لصالح وعليها تقع مسؤولية حِـمايتها الأمنية، كما نفِّـذت (العملية) على بُـعد أمتار من مقر قيادة قوات الأمن المركزي وبالقرب من ثكنات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، وجميعها وحدات يقودها نجل صالح وأبناء أخيه، علاوة على أن منفِّـذ العملية تسلَّـل من الحديقة المقابلة لأماكن انتِـشار وتواجد تلك الوحدات، دون أن يعترض سبيله أحد.

المسألة الأخرى، حسب هذا التحليل، أن مسرح  العملية هو الميدان المخصّص لاستعراض قوات ومُـعدّات الجيش والأمن في المناسبات الوطنية، حيث اعتاد الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، وعلى مدار ثلاثة عقود، على الظهور فيه في مثل هذه المناسبات، مزهُـواً بقوة جيشه وملمِّـحاً باستعراضها لإخافة خصومه ومناوئيه، كما هو حال أقرانه من الحكّام العرب.

صالح خلف التخطيط والتنفيذ؟

غير أن حلول الذكرى الثانية والعشرين لقيام الوحدة اليمنية في 22 مايو من عام 1990، حسب ذلك التفسير، تأتي هذه السنة والمشير صالح، الذي كان يحرص في مثل هذه المناسبة على ارتداء بزته العسكرية المرصّعة بالنياشين والأوسِـمة والأنواط كرئيس وقائد، تتوحد فيه شخصيته، الحاكم والقائد العسكري وتختزل فيه رمزية ووحدة الأمة أو صمَّـام الوحدة، كما كانت تنعته بذلك وسائل الإعلام الرسمية، لم يعُـد كما كان بعد أن أطاحت به الاحتجاجات الشعبية وأرغمته على التنحّي عن الرئاسة، وإنما سيحلّ محلّـه خليفته الرئيس الانتقالي عبده ربه هادي، وهو ما لا يقدر صالح المهْـووس بالسلطة، على احتماله أو الإصطبار عليه.

لذلك، فإنه قد يكون لجأ  - حسب هذا التفسير - إلى شماعة القاعدة ليستخدمها كوسيلة لإبعاد خلَـفه عن المشهد، الذي اعتاد على أن يشغِـله لوحده من ناحية، وإظهار خلَـفه بأنه عاجِـز عن تحقيق الأمن في البلاد بدونه من ناحية أخرى. وهو ما يعني وِفقاً لهذا التحليل، أن أصابع الإتِّـهام تتَّـجه نحو صالح، بالوقوف خلْـف التخطيط والتنفيذ لذلك الهجوم أو على الأقل، بتسهيل تنفيذه، بُـغية تحقيق مكاسب سياسية.

"دوافع الإنتحاري.. عقائدية دينية"!

في معرض رده على هذه الإتهامات، قال نجيب غلاب، القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام الذي لا زال يترأسه علي عبد الله صالح "إذا كان الهدف من العملية، تحقيق مكاسب سياسية، وإذا سلمنا أن هناك تداخلا ما بين أنصار الشريعة والإخوان المسلمين، فلِـم لا تكون الغاية سياسية؟".

وأضاف غلاب أنه "لا يمكن لصالح أو أي جهاز أمني أن يقتل أعدادا كبيرة من الناس من أجل هدف سياسي"، موضحاً أن "الإنتحاري الذي يفجِّـر نفسه، لا يمكن أن تكون دوافعه، إلا عقائدية دينية، وبالتالي، فالإحتمال الأول هو أن القاعدة هي مَـن قامت بهذا العمل، لاسيما بعد إعلان استراتيجية مواجَـهة أنصار الشريعة أينَـما كانوا، وقد أرادوا بهذا الهجوم توجيه رسائل واضحة، بأنهم موجودون في أي مكان من اليمن، وأن لديهم خلايا نائمة، وقادرون على اختراق حتى القِـلاع المحصَّـنة".

ضحايا ودمار.. واتهامات متبادلة

وفي سياق تفسيره لضرب القِـلاع المحصَّـنة من معسكرات ومقرّات مُـحاطة بحماية كبيرة وكثيفة، يرى غلاب أن "استراتيجية القاعدة، هي تفتيت قوات الجيش والأمن، باعتباره الخيار الذي سيحوِّل اليمن إلى ساحة فوْضى، تستطيع تلك العناصر أن تنشط فيها بحرية، لأن ذلك المناخ يشكِّـل أرضية خصْـبة، تنتشر فيها الجماعات المتطرِّفة"، علاوة على أن خيار الفوضى ذاك، كما يعتقد غلاب، "يلتقي مع خيار القِـوى التقليدية، التي ترى أنها ستخسِـر في حالة قيام الدولة المدنية الحديثة، وِفقاً للمبادرة الخليجية"، على حد قوله.

الخلاصة التي يخرج بها المراقب المحايد لتداعيات وتطورات الصراع السياسي في اليمن، هي أن الكثير من حقائق الأمور وخباياها، إما تبقى عصيّة على الفهم، بسبب الحمولات السياسية التي تطغى عليها، وإما أنها تُـمـيّـع إلى الحدّ الذي يحُـول دون الوصول إلى الجاني الحقيقي، بهدف تقييدها ضد "مجهول"، بغضّ النظر عن حجْـم الضحايا والدمار اللذان أحدثتهما، كما هو الحال في هذا الهجوم المُروِّع، الذي أدى إلى سقوط المئات من اليمنيين بين قتيل وجريح، فيما تتبادل أطراف العمل السياسي الإتهامات فيما بينها.(سويس إنفو)
شارك على جوجل بلس

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات :

إرسال تعليق