لبنان يدفع ثمن الأزمة السورية: من ينفخ في رماد الحرب الأهلية؟




طرابلس (لبنان) - فيما تمر عربات مدرعة في الشوارع التي تحمل آثار الأعيرة النارية يعترض لبنانيون طريق جنود أضافوهم الآن الى قائمة أعدائهم "يا خونة".

في مدينة طرابلس بشمال لبنان ربما يكون الجيش قد أوقف الاشتباكات العنيفة التي استمرت ثلاثة ايام وأذكتها الاضطرابات في سوريا المجاورة لكن الغضب لا يزال مشتعلا. ويخفي مقاتلون بالشوارع بالكاد غضبهم من الدولة لمنعهم.

وأذكت الانتفاضة السورية المستمرة منذ 14 شهرا والصراعات الطائفية اللبنانية نفسها حدة التوتر في مدينة طرابلس لتندلع الاشتباكات هذا الأسبوع بين السنة الذين يؤيدون الانتفاضة السورية والعلويين الذين يناصرون الرئيس السوري بشار الأسد.

وصاح وليد بحار (45 عاما) وهو سني مستنكرا "لم يعد هذا جيش لبنان إنه الجيش السوري. يجب الا يوقفونا. يجب أن يأتوا الى هنا ويقاتلوا معنا" مشيرا الى ساقه التي غطتها الجروح. وأضاف "نحن ضد الجيش".

ويذكر القتال الذي أودى بحياة ثمانية اشخاص وأسفر عن إصابة العشرات في ثالث موجة من الاشتباكات من هذا النوع في العام الحالي بأن الاضطرابات على الجانب الآخر من الحدود يمكن أن تمتد الى لبنان هذه الدولة الصغيرة التي لا تزال تتعافي من الحرب الأهلية التي عاشتها.

ويقع الخط الأمامي للمعركة بين حي البحار وباب التبانة ومنطقة جبل محسن.

ويغلب على سكان باب التبانة السنة على غرار معظم طرابلس. وسكانه من أشد المؤيدين للانتفاضة التي يقودها السنة في سوريا. اما منطقة جبل محسن فيسكنها العلويون الذين يمثلون اقلية ويؤكد نظام الأسد.

ينتشر الجنود في الشوارع لهذا فإن الحركة في باب التبانة بطيئة. وينطلق فتيان على دراجات نارية ورجال في سيارات في الشوارع التي تناثرت فيها الأنقاض واشجار النخيل المحترقة.

تدفعهم موجة من إطلاق النيران الى التحرك فيجرون البراميل واكياس الرمل المخبأة في الأزقة ليعدوا مخابيء بسرعة.

وتختفي مركبات الجيش عن الأنظار سريعا لعزوفها فيما يبدو عن استخدام القوة. لكن شبانا يقولون إنه إنذار كاذب. ويعودون الى مواقعهم وكذلك يفعل الجنود.

وليست التوترات في هذه الأجزاء من طرابلس جديدة. وتكررت الاشتباكات بين السنة والعلويين من حين لآخر منذ أرسلت سوريا قوات الى لبنان خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 .

على بعد بضعة كيلومترات من جبل محسن يشير رجل مسن الى ناصية شارع لحقت بها أضرار وقال "منذ 30 عاما قتل رجل بالرصاص هناك. امس قتل أحد أقاربه في نفس المكان. سنعيش هكذا دائما. سيعيش ابنائي هكذا وكذلك ابنائه. هذا لن ينتهي حتى نجر لبنان كله الى حرب أخرى".

ويتحدث زعماء محليون يسعون جاهدين لتهدئة طرابلس عن محاولة حل مشاكلها وكأنهم يقطعون اذرع اخطبوط فالمزيد من الصراعات تظهر دائما.

والثلاثاء بعد ساعات من الاتفاق على هدنة بين زعماء في جبل محسن وباب التبانة امتد العنف الى السوق القديمة بطرابلس.

هناك انتهى عراك بالأيدي الى اشتباكات في الشوارع داهمها عشرات من رجال الأمن الذين دهسوا الخضروات والطلقات الفارغة بأرجلهم وهم يشقون طريقهم بين السكان المذهولين.

وقال رجل فر من دوي إطلاق النيران الى خارج منزله بخفيه وملابسه الداخلية فقط "في أحيان كان يصفع رجلان أحدهما الآخر دون أن يعني هذا شيئا. الآن يتحول الأمر الى تبادل لإطلاق النيران بين أطراف سياسية". وأضاف "كل هذا بسبب سوريا".

ويتهم سكان محليون حلفاء سوريا في لبنان بمحاولة تخفيف الضغط عن الأسد من خلال إثارة اضطرابات في طرابلس.

لكنهم يقولون إن جماعات سنية تستغل التعاطف المحلي مع الانتفاضة السورية لإثارة صراع املا في إضعاف الحكومة الحالية المتحالفة مع خصمها الرئيسي حزب الله الشيعي اللبناني.

وقال نبيل رحيم وهو رجل دين سني محلي التقى بزعماء سياسيين لإنهاء التوترات في طرابلس "في الوقت الحالي الحل صعب. المسألة السورية ليست في ايدينا وكذلك مشاكل لبنان فيما يبدو".

وأضاف انه بخلاف هذه المشاحنات السياسية هناك قضية ظروف المعيشة. فاهالي طرابلس يعانون فعلا من البطالة والتهميش وهذا سبب آخر في تفجر الوضع هنا. وهناك ايضا بعض المؤشرات على الاضطراب.

وسيطر اسلاميون على الميدان الرئيسي بطرابلس مطالبين بالإفراج عن رجل يقولون إنه اعتقل ظلما لأنه يعمل لحساب المعارضة السورية.

ووجه الاتهام لشادي المولوي بالعمل لحساب "جماعة إرهابية" ويواجه محاكمة عسكرية.

بدا الميدان وكأنه محترق بسبب إحراق الإطارات على مدى ايام.

ويلتقي ساسة وزعماء دينيون لإنهاء التوتر ويتهكم عليهم مسؤولون محليون يقولون إنهم هم أنفسهم الذين يذكون الاضطرابات.

وقال صالح عبد اللطيف وهو مسؤول محلي في جبل محسن "يتركونهم مثل النار تحت الرماد. متى يريدون يستطيعون استثارة الناس".

غير أن الزعماء المحليين قد يجدون أن بعض الشبان فقدوا الاهتمام بما يقولونه.

وفي حين استؤنفت حركة المرور في أجزاء أخرى من طرابلس ويحاول سكان إعادة الحياة الى طبيعتها في باب التبانة يتجمع رجال لينصتوا الى شاب تلقى كلماته صيحات الترحيب وتقابل بالتصفيق.

وقال الشاب "لا أحد يهتم لأمرنا. ليست لدينا وظائف او رعاية صحية. لا يوجد شيء هنا... لكن هؤلاء الشيوخ يحاولون أن يأتوا ويخبروننا متى نبدأ ومتى نتوقف. "لا أحد يمثلنا..نحن نمثل انفسنا".(رويترز)

شارك على جوجل بلس