لماذا ارتبك العرب أمام الربيع التركي؟


بقلم: محمد قواص

لا يجوزُ لمن صفق للربيع العربي أن يرتبك أمام الحدث التركي ويشكك في وجاهة "ربيعيته". فحوافز الانفجار مشتركة، على الرغم من التباين في تقييم الحكم في انقره عنه في طرابلس وصنعاء وتونس والقاهرة ودمشق.


تعكسُ مواجهات ساحة "تقسيم" في قلب مدينة اسطنبول حالة احتقان وامتعاض داخل كتل اجتماعية لا يمكن إغفالها، والتغاضي عنها في معرض التكرار المُمل لإنجازات أردوغان وصحبه في الاقتصاد والسياسة.

باغت حزب العدالة والتنمية تركيا الاتاتوركية على غفلة، وخطف البلاد من سياق خَبِرَته وعَهِدته منذ اندثار العثمانية وقيام الدولة الحديثة عام 1923. تراجعت "الدولة العميقة" العلمانية الأمنية العسكرية مصعوقة بالتسونامي الأردوغاني الذي لا يتوقف. ولئن تقدم حزب العدالة والتنمية بخطاب مُحتَرٍمٍ للعلمانية، بل ومبشّر بها (لا سيما في دعوات اردوغان لاخوان مصر وتونس في اتباعها)، بيد أن "الشبهة" الإسلامية ظلت ملتصقة بأي فعل ورد فعل يصدر عن الفريق الحاكم في تركيا.

راجت عند العرب بعد "ربيعهم" مقولة إن الانتخابات ليست الديمقراطية. هكذا بدأ العرب يكتشفون تعقّد الديمقراطية بما هو أبعد من انتاج سلطة عبر الاقتراع. أخرجت صناديق الاقتراع في مصر وتونس مشاريع أزمة ووصفات حروب أهلية. فداخل البلدين تراثٌ متراكم من الثقافة المجتمعية التي لطالما ربطت مصر، كما تونس، بسيرورة العالم. وما انتفاضة المصريين، كما التونسييين، ضد الديكتاتوريات إلا سعيّ لمصالحة البلدين مع قيّم الحداثة التي تأثرت بها الساحة الثقافية الأدبية الفنية والسياسية. وإذا ما أتت رياح الانتخابات، وهي أداة ديمقراطية بامتياز، بغير ما تشتهي السفن، فإن الأنواء باقية لإعادة توازن يقي السفينة من الغرق في أمواج تتناقض مع طبيعة وطموح المجتمعيّن.

الأمر في تركيا ليس بعيدا. بالغت الاتاتوركية في ابعاد المجتمع عن توازنه وتراثه وثقافته. في نحت المشوار الاتاتوركي تم بناء تجربة رائدة عاندت الارتهان للماضي وأوهامه وتحرت خيارات التغرب (اي الالتحاق بالخيارات الغربية). في جذور تلك الورشة وعدم عاديتها حاجة لمنطق الاكراه والقوة. هكذا تم تبرير الديكتاتوريات وتفسير هيمنة العسكر في البلاد. وإذا ما احتمل الغرب "الاستثناء" التركي بسبب الحرب الباردة، فإن اختفاء تلك الحرب أنهى وظيفة الاستثناء في تركيا.

اختار الاتراك والعالم أن تتحوّل تركيا إلى ديمقراطية حقيقية بقيادة فريق أردوغان. في تصويت الاتراك لحزب العدالة والتنمية ثلاث مرات (منذ آذار/مارس 2003) توق للاستمرار في مغامرة الخروج من الأتاتوركية نحو حقبة أخرى أكثر حداثة. وفي غضب الاتراك في ساحة "تقسيم" وعشرات المدن الأخرى في البلاد رفضٌ بأن يفضي الخروج من الأتاتوركية إلى العودة إلى العثمانية.

في رمزية المكان في " تقسيم" حكاية هذا التعايش، وليس التناقض، بين شرق وغرب. في تلك البقعة التي تصل اسطنبول آسيا باسطنبول أوروبا يكتب الجمع فصلا جديدا من الرواية التركية عبر التاريخ. لا يريد الاتراك أن يُسرق منهم ماضيهم وثقافتهم وهويتهم عبر اتاتوركية تقادمت، ولا يريد الاتراك أن تُصادر مكتسباتهم الحديثة في أساليب عيش تحاكي لغة العصر عبر أردوغانية طموحة. يبحث الاتراك بعناد عن هذا التوازن الذي يبحث عنه العرب في بلدان ما بعد الثورات.

نعم هناك أكثرية صوّتت للخيار الأردوغاني، وقد تصوّت له في الانتخابات القادمة. واذا ما كانت الديمقراطية تتيح للأغلبية حكم البلاد، فإن أحد أهم غايات الديمقراطية هو تأمين الصلح الداخلي والاستقرار بين الناس. واذا لم يحدث ذلك (كما هو حال مصر وتونس ودول أخرى)، فذلك أن تلك الديمقراطية مبتورة تحتاج لمفاعيل وملاحق مكمّلة.

قد يُتهم النمو الاقتصادي المحقق في تركيا بأنه محرّض على اقتسام مشوّه للثروة بين أغلبية وأقلية. أي أن نِعَمَ النمو تمرُ على شرائح دون أخرى، وعلى كتل دون أخرى. هذا في الثروة. أما في السلطة، فإن مفاعيل الأغلبية الديمقراطية قد تعني استحواذا لأكثرية على السلطة دون الأقلية بما يكدس حال حرمان وامتعاض لا يمكن التعبير عنه عبر صناديق الاقتراع.

لن يهتم أردوغان بما تعانيه تلك الأقلية في السلطة والثروة (سواء كانت هذه الأقلية أيديولوجية أم حزبية أم أثنية أم طائفيه.. إلخ). صناديق الاقتراع تمحضه الثقة والسلطة على مدى السنين الماضية إلى درجة الغرور والاعتداد بالنفس. الرجل يعرف أنه لن يهزم، ولديه ترف السعيّ إلى الوصول إلى قمة الهرم من خلال طموحه بالتربع على قمة الهرم رئيسا بدستور رئاسي يحوّله إلى سلطان جديد اين منه أهل السلطنة العثمانية الغابرة. في عناد صناديق الاقتراع على انتاج نفس السلطة وقهر التناوب عليها ما قد يشي بانتاج ديكتاتورية تقنّعها تلك الصناديق.

من عبق ذلك الغرور انزلق أردوغان حيث سقط زعماء عرب سابقون في تفسير ظاهرة الاعتراض. وصف المحتجين بأوصاف سبقته الزعامات العربية البائدة في التفوّق في تركيبها. فيما جاءت اتهاماته لعناصر خارجية في التحريض على المظاهرات لتلتقي مع خطاب يائس ممعن في السأم عهدناه منذ اللحظة البوعزيزية في تونس. في الفعل ورد الفعل شيء خارج عن المألوف حصدته واقعه ساحة "تقسيم" وحديقتها.

يستخدم أهل البورصة تعبير اعادة التصحيح في معرض وصفهم لظواهر الانخفاض التي تطرأ على السوق المالي. في تركيا ثمة حاجة لاعادة التصحيح، بحيث يعود التوازن إلى الطبقة السياسية الحاكمة قبل المعارضة. ورشة إعادة التصحيح الداخلي تنضم إلى ذلك الخارجي الذي لا شك أن اردوغان وصحبه شعروا به مرغمين في ادارتهم للأزمة السورية، وفي صدمتهم من البرودة التي يتعامل الأطلسيون بها بشأنٍ يتعلقُ بالشريك التركي مباشرة. وفي اعادة التصحيح، كما في البورصة، اعادة اقلاع للنظام السياسي التركي برمته.

لم تغب الأسلمة عن أجندة حزب العدالة والتنمية. الحزب لا يتبرأ من خلفيته الإسلامية، لكن ذلك لم يكن يوما سلاحه وتقنيته (فلم يرفعوا يوماً الشعار الإخواني الشهير "الإسلام هو الحلّ") في تسجيل النجاح تلو النجاح على صعد مختلفة. خصوم الحزب الذين لا يجدون حججا ينالون بها من منعة الحاكمين، استسهلوا اللجوء إلى "شبهة" الأسلمة علّها تحمل ماءً إلى طاحونتهم وظلالهم في ما تبقى من "الدولة العميقة". الاجراءات المتّخذة اخيرا لتنظيم استهلاك الكحول معمول أكثر منها في بلدان أوروبية، كما أن اعتراض أحد رجال الشرطة على حادث تقبيل بين شاب وفتاة، لا يتناقض مع قانون يمنع ذلك في بلد كالولايات المتحدة مثلا. لكن ما هو مقوّنن في الغرب لن تفوح منه رائحة أسلمة قد لا تكون بعيدة عن الطبخات القانونية في أنقرة.

لا شك أن المؤيدين لبشار الاسد في دمشق والمناوئين عموما للإسلام السياسي في المنطقة راق لهم الحدث التركي وأمعنوا في الشماتة التي عُبِّر عنها رسميا في دمشق وبغداد (لاحظ تعامل طهران بحذر مع الأمر، ذلك أنها تخشى انتقال العدوى عشية الانتخابات!). في المقابل سعى خصوم الأسد ونظامه إلى التقليل بخجل من حجم الاعتراض والتأكيد على شعبية أردوغان وقدرته على تجاوز "تفصيل" ساحة تقسيم (إلى درجة تدخل الشيخ يوسف القرضاوي في دعوة الاتراك للالتفاف حول أردوغان). بمعنى آخر، أسرف العرب، مرة أخرى، في تسطيح المسألة وتسخيفها لتناسب أهوائهم وهم يتسوّلون أي هواء يفدهم من الخارج أملا في معالجة ضيقهم.

قد يجوز أن نخاطر باعتبار الحدث التركي ذروة المأزق الذي يواجه الإسلام السياسي ونموذجه الحاكم. لم يعد باستطاعة الاخوان المسلمين العرب أن يبشروا اوطانهم بتجربة نظرائهم في تركيا (رغم عجزهم عن التشبه بها). بل أن التصدع العرضي الراهن لتلك التجربة يأتي أساسا من شبهة الأسلمة التي يلوّحون بها ديدنا للحكم وشرعية للحاكم. ربما ايضا أن التفاصيل التركية الاخيرة ستقنع الأردوغانيين أكثر (ومعجبيهم العرب) باستحالة تمرير الدين محددا لهوية السياسة والسياسيين، بحيث أن الأردوغانية نفسها قد تصبح مدرسة جديدة للإسلاميين لإبعاد الدين عن الشأن العام.

تكشفُ مظاهرات تركيا، كما تكشف كل يوم حالات الاعتراض العربي، انتهاء خوف الناس من السلطة. ولا شك أن نجاح الأردوغانية في تفكيك السلطة الاتاتوركية، وتحجيم نفوذ العسكر يقف وراء انهيار السطوة السلطوية في عيون الناس. اي أن الاردوغانية تدفع اليوم ثمن معايير لطالما ضغطت أوروبا لفرضها على تركيا كشروط لا تنتهي للقبول بها يوماً داخل الإتحاد.


تركيا تغيرت، وهي تبتعد جيلا بعد جيل عن الشخصية العربية وسلوكها وترهات تفسيرها للأمور. تتخلص تركيا من سلوكها الإنفعالي وتتربى داخلها تركيبة منطقية تحسن حسبان الأمور بالعقل وبلغة الأرقام. هو ربيع في تركيا، وما تشهده "تقسيم" ليس تفصيلاً بل مفصلاً سيرتب لفتح صفحات جديدة في تركيا. هو ربيع لا شك بالمعنى السياسي للكلمة، وليس كما قال اردوغان: هو فصل الربيع فقط.(ميدل إيست أونلاين)
شارك على جوجل بلس