ما لم تدركه واشنطن حتى الآن: مصر ليست باكستان


بقلم: ديفيد رود

وسط اشتباكات عنيفة في مصر قال مسؤولو البيت الابيض الاسبوع الماضي إنه ليس بوسع الولايات المتحدة أن تقطع مساعداتها العسكرية البالغة 1.3 مليار دولار سنويا عن مصر.


فهذه الخطوة ستجعل واشنطن تفقد "نفوذها" لدى القادة العسكريين المصريين. وقالوا أيضا إن الأمر يتعلق باعتبارات أمنية أمريكية مهمة وإن استمرار المساعدات يتيح لها ورقة ضغط.

إذا كانت هذه الاراء تبدو مألوفة فهي كذلك. ففي العقد الاخير استخدمت الولايات المتحدة هذا المنطق نفسه في باكستان. وقدمت مساعدات عسكرية قيمتها 11 مليار دولار للجيش الباكستاني في سبيل الحفاظ على "النفوذ" الامريكي في اسلام اباد.

وتدفقت الاموال عاما بعد عام من معدات جديدة إلى أموال مقابل عمليات? ?عسكرية باكستانية رغم شكاوى من بعض المسؤولين الامريكين أن الباكستانيين يسيئون التصرف في الاموال ويبالغون في تقدير قيمة الفواتير.

فهل يمكن للولايات المتحدة أن تكون أوفر حظا في مصر؟ الاختلاف شاسع بين باكستان ومصر. ولأن إدارة باراك أوباما تطبق أساليبها الباكستانية في مصر بكل همة فالأمر يستحق فحص نتائج سياسة المساعدات العسكرية.

بعد عقد من الزمان لم يتغير شيء يذكر في باكستان. فمازال الجيش يأوي حركة طالبان الافغانية وهلك مئات الجنود الامريكيين والافغان في هجمات عبر الحدود من باكستان ومازال الجيش أقوى مؤسسات البلاد قاطبة.

نعم كان أداء حكومة الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري ضعيفا وأساءت إدارة اقتصاد البلاد. ومن الخطأ ان نفترض أو نجادل بأن حكومة مدنية فعالة تتمتع بالكفاءة ستظهر للوجود إذا تخلى الجيش الباكستاني عن هيمنته المستمرة منذ عقود على البلاد.

لكن ما الذي جنته الولايات المتحدة مقابل ملياراتها الاحد عشرة؟ أحد الأهداف من تقديم المساعدات العسكرية الامريكية تمثل في حمل الجيش الباكستاني على شن حملة على الألوف من أفراد طالبان الأفغانية الذين يعيشون ويتدربون ويخططون لعمليات من داخل باكستان منذ عام 2001. لكن هذا لم يتحقق حتى الآن. وقد تدفقت الاموال من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء على خزائن الجيش الباكستاني لكنها لم تغير شيئا من الاعتقاد الراسخ لدى القادة العسكريين الباكستانيين أن طالبان الأفغانية ومقاتلين آخرين عناصر مفيدة ضد الهند ألد أعداء باكستان.

ويقول مسؤولون أمريكيون أن الأحد عشر مليار دولار سمحت للولايات المتحدة بتحقيق أقصى رغباتها وهي الضربات التي توجهها طائرات دون طيار في المناطق القبلية من باكستان والتي أضعفت القاعدة بل وربما أحبطت هجمات ارهابية في الولايات المتحدة.

وتغذي هذه الهجمات مشاعر العداء للامريكيين الكاسحة في باكستان لكن الاولوية السياسية المطلقة لاي رئيس أمريكي كما يقول المسؤولون هي منع الهجمات الارهابية على الأراضي الامريكية.

وحتى الآن تبدو إدارة أوباما عازمة على مواصلة نهج المساعدات من أجل النفوذ في مصر. وقد أرجأ البيت الابيض تسليم أربع مقاتلات من طراز ف- 16 لمصر الاسبوع الماضي. لكن كون الجيش المصري قتل بالفعل 140 متظاهرا أي مثلي العدد الذي قتلته ايران في سحق الحركة الخضراء عام 2009 لا يتيح لمسؤولي الادارة فيما يبدو فسحة لالتقاط الانفاس.

وفي زيارة لباكستان الاسبوع الماضي قدم وزير الخارجية الامريكي جون كيري أوضح دفاع حتى الآن من جانب الادارة الامريكية عن القوات المسلحة المصرية.

وقال كيري "هم في الواقع يستعيدون الديمقراطية."

وأضاف "الجيش لم يستول على السلطة وفقا لأفضل تقييم لنا حتى الآن لادارة شؤون البلاد. فهناك حكومة مدنية."

وفي الأسبوع قبل الماضي أعلن البيت الابيض أن إدارة أوباما لن تنفذ قانونا أمريكية يلزم الحكومة الامريكية بقطع المساعدات الامريكية عن أي حكومة تنفذ انقلابا. كيف؟ بتجاهل الأمر.

وقال مسؤول بالبيت الابيض لصحيفة نيويورك تايمز "القانون لا يلزمنا بتقديم رأي رسمي فيما إذا كان انقلاب قد وقع. وليس من مصلحتنا الوطنية أن نقرر هذا الرأي. لن نقول إنه كان انقلابا. ولن نقول أنه لم يكن انقلابا. لن نقول وحسب."

وبمعنى آخر ستدير أمريكا وجهها في الناحية الأخرى للحفاظ على "نفوذها" لدى القوات المسلحة المصرية. فمن الدروس المستقاة من العقد الأخير في باكستان أن الاموال قد تشتري للمسؤولين الامريكيين مقعدا على الطاولة. لكن القادة العسكريين الباكستانيين أو المصريين لن ينصتوا بالضرورة.

ومن المؤكد أنهم سيلقون بالمسؤولية عن مشاكلهم علينا. ففي العقد الأخير في باكستان استخدم المسؤولون العسكريون وسائل الاعلام المؤيدة للقوات المسلحة في نشر رسالة مفادها أن الولايات المتحدة صاحبة القوة وراء مشاكل البلاد.

ومن أصدق الامثلة الضربات الجوية بطائرات بلا طيار. فمنذ عام 2004 أيدت القوات المسلحة الباكستانية سرا هذه الهجمات الامريكية في البلاد. وعلى مدى سنوات سمح الجيش الباكستاني للطائرات الامريكية بلا طيار بالاقلاع من قاعدة عسكرية باكستانية. وبوسع طائرات سلاح الجو الباكستاني أن تسقط بكل سهولة الطائرات الامريكية بلا طيار بطيئة الحركة في أي وقت إذا تلقت الامر بذلك.

وفي الوقت نفسه أدان قادة عسكريون باكستانيون ومسؤولون مدنيون علانية الهجمات باعتبارها انتهاكا أمريكيا صارخا لسيادة البلاد. وجادلوا بأن حركة التمرد التي تقودها طالبان في البلاد غذتها الهجمات الجوية.

ولم يذكر شيء عن حقيقة أن القوات المسلحة دربت بل ومولت الكثير من الجماعات الجهادية للعمل لحسابها ضد الهند. وبعد الدعم المبدئي للجهاديين فقد الجيش الباكستاني السيطرة على الكثير منهم.

وتعتقد داليا مجاهد الخبيرة في شؤون مصر والمديرة التنفيذية السابقة لمركز جالوب للدراسات الاسلامية أن على الولايات المتحدة أن تأخذ موقفا أكثر نشاطا في مصر. فتقديم 1.3 مليار دولار سنويا دون طرح أسئلة تذكر ليست وصفة مناسبة للتغيير.

وقالت في رسالة بالبريد الالكتروني "نريد شروطا واضحة للمساعدات نتابع بها الأمر فعلا. نحن نتعامل مع مذابح للمحتجين بأيدي العسكريين. وقيمنا ومصالحنا تملي علينا أن نقرن المساعدات بشرط الوقف الفوري لاستخدام القوة المفرطة ومحاسبة المسؤولين عنها."

وجادل مسؤول بالادارة طلب عدم نشر اسمه بأنه لا توجد بدائل أمام القادة العسكريين في مصر. فإذا أصبحت سيناء مثلا ملاذا آمنا للمسلحين المتشددين فسيمثلون خطرا مباشرا على اسرائيل والولايات المتحدة. وقال المسؤول إنه يتشكك في امكانية ظهور حكومات مدنية يمكن أن تحقق استقرار مصر وتؤمن سيناء.

وهذه هي الحجة التي استخدمها المسؤولون الامريكيون في باكستان منذ سنوات. والسؤال الرئيسي بسيط: هل يمكن للديمقراطية ان تخرج للوجود في المنطقة.

وسيساعد وضع شروط لمساعداتنا تلزم القوات المسلحة المصرية باجراء انتخابات في الإجابة عن هذا السؤال. أما القاء المليارات للقادة العسكريين فلن يحقق ذلك. فهذا ما تعلمناه في باكستان.(رويترز)




شارك على جوجل بلس