بئس الكُتّاب إذ يفسدون




بقلم: جواد البشيتي

 ما أكثر الكُتَّاب عندنا حين تَعُدُّهُم؛ ولكنَّهم في "الكِتَابة الكِتابَة" قليلُ؛ فهلْ نقول بئس مجتمع (وصحافة) كَثُر فيه "الكُتَّاب"، وقَلَّ "القُرَّاء"، أمْ نقول بئس مجتمع تُسْتَرْخَص فيه "الكلمة"، فَيَسْتَسْهِل مُسْتَرْخِصوها "الكِتابة"؛ فيَجْتَمِع المَرَضان: "مَرَض الإمساك"؛ فالناس يُمْسِكون عن القراءة، ومَرَض "الإسهال"؛ فاستسهال "الكِتَابة" يأتي بـ "غزارتها"؛ فـ "القول" لا يمكن تمييزه من "القيء"، و"الرأس" تُصاب بـ "إسهال" يستعصي تمييزه من إسهال المعدة والأمعاء؟!

وعلى كثرتهم، وتكاثرهم، لم يأتِ "الكُتَّاب" إذ كَتَبوا وتمادوا في هذا "الظُّلْم" الذي يَدْعونه "كِتابةً"، إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّ "البقالة" و"الكتابة" غدتا فيهم، وبهم، شيئاً واحداً؛ أمَّا القُرَّاء المساكين فلا "كاتِب" يسمعهم وهُمْ يقولون له، كل يوم، وعلى كثرة ما يَكْتُب: "لتَكْتُب حتى نقرأ؛ فأنتَ حتى الآن لم تَكْتُب"!

القارئ، إنْ تجشَّم القراءة، فلا شعور يستبدُّ به، عندئذٍ، إلاَّ شعور الظمآن الذي أتى بحراً، ليَشْرَب من مائه، لعلَّه يرتوي، فإذا به يزداد عطشاً؛ أمَّا "المقروء" فكأنَّه سراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً.

ابْحَثوا عنه كبحثكم عن إبرةٍ في كومة قَشٍّ؛ لعلَّكم تَجِدوه؛ فهو الكاتِب المُجِيد، البارع، اللَّبق، المُتَفَنِّن، رشيق اللفظ، مُنمَّق ومصقول العبارة، بديع الإنشاء، صحيح ورائق الديباجة، سبَّاك الكلام، حَسَن الصياغة، حُرُّ اللفظ، سهل الأسلوب، منسجم التراكيب، مُطَّرِد السياق، ناصع البيان، متصرِّف بأعنَّة الكلام، مقبول الإطناب، بليغ الإيجاز، أُنْزِلَت الفصاحة على قلمه؛ أطولهم باعاً، وأوسعهم مجالاً، وأسرعهم خاطراً، وأحضرهم بياناً، متبحِّر في معرفة مفردات اللغة، عارف بفصيحها وركيكها، مأنوسها وغريبها، عليم بأسرار اللفظ واشتقاقه، وحقيقته ومجازه، لا يهجم على المعنى من غير بابه.

إنَّه "الكاتِب الحُرُّ"، الذي يكتب بقطرات دمه، ويتَّخِذ من الحرف سِكِّيناً، ويعيش من أجل أنْ يكتب، ولا يكتب من أجل أنْ يعيش؛ والذي مهما أحبَّ أفلاطون يظل حبه للحقيقة أكبر وأعظم؛ فلو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره لا ينطق إلاَّ بما يراه حقَّاً وحقيقةً؛ فإذا حاصَرَتْهُ من كل حدب وصوب قوى "الترهيب" و"الترغيب"، حذا حذو فولتير إذ قال: "قد يرغمني الأقوياء على أنْ أمنع نفسي من قول كل ما أنا مؤمِن به؛ لكن ما مِنْ قوَّة في مقدورها أنْ ترغمني على قول ما أنا لست مؤمِناً به"!

أمَّا ضديده، الذي مكَّنوا له في أرض الكتابة، وجعلوا له عليه سلطاناً وقدرةً، فتوفَّروا على حقنه بمصول القوَّة متوهِّمين أنَّ البِغال إذا ما حُقِنوا بها يمكن أنْ يصبحوا جياداً، فهو كالشجرة تَدُلُّ عليها ثمارها؛ إنَّه سقيم العبارة، سخيف الكلام، ضعيف الملكة والأداة، متطفل على موائد الكتَّاب، مبتذَل اللفظ والتراكيب، يتلمَّظ بركيك الكلام، ويحوم حول المعاني المطروقة، ضعيف النقد، مِنْ صيارفة الكلام، جُلُّ بضاعته ما ينسخه من متقدِّمي الكتَّاب، وما يمسخه من ألفاظهم، يبدِّل جيِّده بالرديء، ويخلط الفصيح منه بالعاميِّ، ويُفْرِغه في قالب من أسلوبه الركيك الرديء.

"الكاتِب"، ومن حيث "الشكل" ليس إلاَّ، إنَّما هو "اجتماع اليد والقلم والورقة"؛ فليس من كاتِبٍ لا يُمْسِك بقلمٍ، ليسيل منه الحبر كلمات على ورقة؛ لكن، هل كل مَنْ امسكَ بقلمٍ، وسَيَّل حبره كلمات على ورقة أصبح كاتباً؟!

وهذا الذي قُلْت لم أقله استعلاءً، وإنَّما إنصاف للحقيقة في عالم الكِتابة، فالكِتابة هي أوَّلاً بِنْت العِلْم والفن؛ وهي كمثل كل "مَلَكَة" تنمو وتتفتَّح في التجربة؛ فالكاتِب لا يُوْلَد كاتِباً؛ بل يصبح كاتباً. وأنتَ يكفي أن تخوض تجربة الكتابة زمناً طويلاً حتى تتوصَّل إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ الكِتابة هي "أعلى وأرقى درجات التفكير"؛ إنَّها "السَّهْل الممتنع"؛ فلا تُفْرِطوا في استسهالها، ولا تُفْرِطوا في استصعابها.

وهذا "السَّهْل الممتنع" لا يمتنع على المبتدئين (في الكِتابة) فحسب؛ وإنَّما على "كُتَّاب" نجحوا في كِتابة أسمائهم، أو ما يشبهها؛ فتوهَّموا أنَّهم "الكُتَّاب"؛ إنَّها ممتنعة عليهم ولو مُنِحوا أقلاماً أعلى من قاماتهم!

في "القول"، يمكن تمييز كاتب مِنْ كاتب؛ يمكن تمييز الكاتب الجيِّد من الكاتب الرديء؛ لكنَّ المعيار الأهم من معيار "القول في حدِّ ذاته"، هو معيار "الكيف"؛ فـ "كيف تقول (الذي تريد قوله)" أهم بكثير مِمَّا تقول؛ فالكاتب، بحسب هذا المعيار، كالعاشق الجيِّد؛ وهذا العاشِق ليس هو الذي يقول لحبيبته "أُحِبُّك"؛ وإنَّما هو الذي يَعْرِف كيف يقولها.

من أين، وكيف، جاءوا إلى "عالَم المقالة"؟

لقد جاءوا إليه من حيث تَعَلَّموا، أو عُلِّموا، أنْ لا فَرْق بين "الكتابة" و"الإملاء"، بين "الجسد" و"الركام"، بين البحث في "الشيء ذاته" والبحث في "رائحته".

لم يمشوا مشياً، ولم يقطعوا المسافة خطوةً خطوةً، ولم يصعدوا السُّلَّم درجةً درجةً؛ بل قفزوا قفزاً؛ فما أنْ أنْهوا الصف الأوَّل، أو الصف الثاني، من "مرحلة الدراسة الابتدائية"، في عالم الصحافة والكتابة والفكر، حتى نالوا درجة الدكتوراه، وانهمرت عليهم "العروض"، وفُتِحَت في وجوههم كل الأبواب الموصدة، وذُلِّلت من طريقهم إلى "المجد" و"الشهرة" كل العقبات، وأتتهم "هوليوود الإعلامية" حتى غرف نومهم، فالتمعت نجومهم حتى في عزِّ الظهيرة، وغادروا الكهوف والأكواخ إلى ما يشبه قُصوراً، نقشوا في واجهاتها عبارة "هذا من فضل ربي"، فهُمْ من نَسْج وخَلْق قانون "مَلِّكه تَمْلُكه"!

إنَّهم الكَتَبَة لا يميِّزون "البقالة" من "الكتابة"؛ كُثْرٌ متكاثرون، يَزِنون "الفكر"، في حبرهم وورقهم، بميزانٍ كذاك الذي نراه على بعض الأرصفة، لا يُريكَ وزنكَ إلاَّ إذا أطعمته "قرشاً"؛ عندهم، فيهم، وبهم، استوى الفكر والحذاء.

هؤلاء مع "فكرهم" يحظون بالرعاية والعناية، يُجْزِلون لهم العطاء، يُلمِّعونهم، ويُزَرْكشونهم، و"يُنَجِّمونهم"، ويُمَلِّكونهم حتى يظلوا ممتلكين لهم.

في "الصورة"، تراهم يبرقون تارةً، ويرعدون طوراً؛ أمَّا "الحقيقة" التي ينطقون بها، إذا ما حسبنا النهيق نُطْقاً، فهي ما يُفكِّر فيه الآن أولياء أمورهم؛ وأمَّا "القَلَم"، الذي به عَلَّم الله الإنسان ما لَمْ يَعْلَم، فهو عندهم كـ "أحمر الشِّفاه"، يُزَيِّنون به شفاه مَنْ "يُحِبُّون"!

هُمْ، في مبدأ وسبب وجودهم، كالنقد المزوَّر؛ فهل من حاجة إلى "النقد المزوَّر" حيث لا وجود لـ "النقد الحقيقي"؟!

و"اللغة" نفسها يجنون عليها؛ ففي قولهم ومقالهم، نرى طلاقاً بائناً بين "الكلمات" و"معانيها"؛ أمَّا "علامات الترقيم"، التي هي جزء لا يتجزأ من "التعبير اللغوي"، فإمَّا غائبة تماماً وإمَّا تُسْتَعْمَل على أسوأ وجه.

وحتى يتصالح الكاتب من هذا النوع مع نفسه، اسْتُحِدِثَت "ثقافة"، ظَهَرَ في مرآتها على أنه خير مَنْ يعرف مِنْ أين تؤكل الكتف، والألعبان، والذكاء إذ اتَّقد، والحنكة والخبرة، والزئبيقة، والطموح إلى العلا، فمن يتهيَّب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر!

وبَعْد "القِرْش"، لا يستأثِّر باهتمامهم، ويستبدَّ بتفكيرهم، إلاَّ "البرواز"، يُمْسِكُ "الصورة"، ويحفظها، ويُجمِّلها؛ وفي سبيله يجاهدون؛ وكأنَّ "الجَمَالَ" من "الجِمَال إذا زُرْكِشَت"؛ أمَّا "الصدارة" التي عنها يبحثون، ومن أجلها يتصارعون صراع الدِّيكة، فهي لا تتعدَّى، في معناها ومبناها، "المكان" بأبعاده الثلاثة؛ فَرَحِم الله ذاك العظيم الذي قال، إذ أرادوا إجلاسه في صدارة المجلس لَمَّا رأوه جالساً قُرْب الباب، "إنَّ الصدارة حيث أجْلِس"!(ميدل إيست أونلاين)



شارك على جوجل بلس