عشوائيات السعودية في قبضة "الهوامير": اسأل القانون!





باريس - صرخ عماد عبدالعزيز العبو، أحد مواطني حي الرّويس بمدينة جدّة ("عروس" البحر الأحمر) في فيلم وثائقي يُتداول كثيرا على يوتيوب هذه الأيام "لن نترك بيوتنا ولو متنا تحتها.. سأناضل.. سأناضل.. وإن خرجت، فسأخرج بعزّة النفس ورأسي مرفوع".

الفيلم يحمل اسم "دومينو"، وهو ثمرة جهد مجموعة من شباب جدة. يُسلّط الفيلم الضوء على تجاوزات رسمية مزعومة للاستيلاء على أراض بـ"حي الرّويس" بحجّة أنها منطقة عشوائية. والفيلم مدعوم بآراء خبراء قانونيين ومسؤولين حكوميين سابقين وبشهادات بعض السكّان.

وتشهد السعودية منذ فترة طويلة عمليات تحايل و"اغتصاب" للأراضي من أشخاص متنفّذين ـ "الهوامير"، أي كبار تجّار الاراضي ـ في مملكة مترامية الأطراف، ثلاثة أرباع مواطنيها لا يملكون أرضاً أو سكناً.

وكان أمير منطقة مكة المكرمة، خالد الفيصل، قد أطلق سنة 2008 "برنامج معالجة وتطوير الأحياء العشوائية بالمنطقة"، التي تضمّ عدة محافظات منها جدّة والطائف، بالاشتراك مع القطاع الخاص، تشرف عليه لجنة وزارية بعضوية وزراء الشؤون البلدية والقروية والداخلية والعمل والمالية، بالإضافة إلى أمير منطقة مكة الذي يرأس كذلك الجنة تنفيذية المعنية بمتابعة مشاريع العشوائيات.

وتبلغ مساحة "مشروع معالجة وتطوير حي الرّويس" نحو 2,130 مليون متر مربع.

وسُمّيت بـ"العشوائيات" لأن "معظم مبانيها لا تتماشى مع الأسس التخطيطية والمعمارية المعتمدة وتتوزع الخدمات بصورة عشوائية لا تخضع لضوابط ومعايير التخطيط العمراني، ناهيك عن النقص الحاد في هذه الخدمات، وشبكة الطرق غير مخططة أو منظمة والبنية التحتية دون المستوى المطلوب ويتدنى بها مستوى النظافة. كما أن المنطقة العشوائية هي بيئة مشجعة على تواجد مخالفي نظام الإقامة والعمل ويرتفع بها معدل الجريمة"، كما تقول الجهات الرّسمية.

وقد سلّم الأمير خالد الفيصل في فبراير/شباط الماضي مفتاح أول وحدة سكنية للسكن البديل في مشروع حي الرويس.

ونشر الكاتب نجيب الزامل في صحيفة الإقتصادية رسالة من سكان حي الرويس.

تقول الرسالة "هناك مشروع سموه '‏مشروع تطوير الرويس'‏ هو مشروع يهدف لجعل حي الرويس حيا لمساهمات لشركاتٍ ومؤسسات، لأنهم رأوا تميّز هذا الحي وموقعه الرائع، و(بصراحة!) استخسروا أن نكون نحن الناس العاديين نسكن فيه فرأوا أن الأفضل إخراجنا من حيّنا الذي عشنا به كل حياتنا، وأن يستولوا على الحي من أجلهم ـ أي هوامير العقارـ فعمدوا إلى تخيير أهالي الحي من السكان إما أن يكونوا ضمن المساهمين في هذه الشركات، أو يتم تقدير البيت بثمن معين ويأخذ صاحب السكن التعويض من غير اعتراض على الوضع ولا اعتراض على المبلغ. والذي لا يريد لا هذا ولا ذاك، فعليه أن يخرج بالقوة أراد أم لم يرد. نشتكي لمن؟ لا يمكن أن نصدق أن يكون خصمنا هو الحكم".

نزع ملكيّة خاصّة لصالح ملكيّة خاصّة

واسترسل عماد عبدالعزيز العبو قائلا بتشنّج "أنا عماد عبدالعزيز العبود لي في هذا الحي 360 سنة، لي هنا سبعة أجداد. قسما بالله أنني أحسّ بالذلّ. كيف أربّي أولادي على عزّة النفس؟ وكيف يحافظون على حقوقهم وممتلكاتهم وأعلّمهم المبادئ الكبيرة وأنا أتفرّج على الظّلم؟ الخروج من البيت مهانة. الدّين علّمنا أن البيت حرمة. لن أخرج. وسأناضل".

وتحدّث د.عمر الخولي، أستاذ في القانون بجامعة الملك عبدالعزيز، قائلا "يُعتبر هذا نزع ملكيّة خاصّة لصالح ملكيّة خاصّة، وهذا لا يجوز قانونا ولا شرعا".

وتساءل الكاتب وعضو الهيئة العليا لتطوير مكة المكرمة سابقاً، د. فائز جمال، "كيف تكون هذه المباني عشوائية وهي مرخّصة من البلدية ودخلتها كل الخدمات والمرافق؟ هذا يعني أن الجهات التي رخّصت كانت تعمل بطريقة عشوائية. هذا يعني عدم نجاح المخطّطات التنموية في البلاد وعلى الجهة الحكومية المعنية بخطط التنمية أن تعالج مشاكلها بما لا يحمّل أهل العشوائيات الثمن مرّتين".

وتحدّث المحامي حسن الجحدلي وأحد سكان حي الرويس حسن أحمد الجحدلي، وهو من سكّان الحي، قائلا "نحن في الرّويس لن نكون كفّارة لأخطاء الأمناء السّابقين (في البلدية والمحافظة والإمارة). إنهم اعتمدوا على المال والسّلطة. وتركوا حجر الزّاوية، وهو المواطن".

القطاع الخاص يدخل على الخط

ونطق "المواطن"، وهو كهل بلغ من الدهر عتيّا، "نحن نعاني معاناة رهيبة. أجدادنا وأجداد أجدادنا كلهم هنا. غير معقول!". واغرورقت عيناه بالدموع.

وقال آخر "أنا ساكن في شقّة بها ستّ غرف ومرتاح وسط المدينة. هل يعقل أن أسكن وسط الصّحراء وأقطع كل يوم 50 كيلومترا من بيتي إلى مقرّ عملي بجدة؟ بأي منطق وبأي قانون؟".

وانتفض ثالث ضد الإعلام "الذي يقول بأنّنا أصحاب جرائم ودعارة وأنّنا وافدين وأجانب. لا، نحن سعوديون أصلا وفصلا وقبيلة، عددنا يقارب 30 ألفا. أفراحنا وأتراحنا مترابطة. لا يمكن أن يفرّقوا بيننا".

وأختتم رابع بالقول "عندما يدخل القطاع الخاص على الخط، هناك ظلم سيحصل بالتّأكيد".

وينتهي الفيلم بمقولة من كتاب "المقدّمة" لإبن خلدون "الظُّلمُ مُؤذنٌ بخرابِ العُمرانِ".

وأختصر الكاتب الاقتصادي عصام الزامل هذا المجهود بقوله أن الفيلم هو "رأس الحربة الأول في وجه الفساد والظلم، في الوقت الذي تَسكت أو تُسكت بقية وسائل الإعلام خوفا أو رضوخا".

وقال الكاتب محمد الزايد في صحيفة "الوطن"، المملوكة للأمير خالد الفيصل، "تتهيأ منطقة الرويس للتحول نحو مدينة عصرية في قلب جدة (...)، لترتسم بذلك ملامح لؤلؤة جديدة تشع جمالا في وسط المدينة".

في المقابل، قال الكاتب جميل محمد علي فارسي "أقول وبالفم المليان: لا تنشأ العشوائيات إلا في ظل عدم عدالة في توزيع الأراضي العامة".

وكتبت أماني ماهر في صحيفة البلاد تقول "كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن حي الرويس وذلك فور الإعلان عن خطط لإزالة الحي وقطع الخدمات عنه باعتباره أحد الأحياء العشوائية التي تمثل الإقامة به خطرا على أمن المواطنين. المغردون على "تويتر" تفاعلوا مع القضية وأبدوا تعاطفهم مع أهل الحي، مطالبين بتوفير البديل لهم قبل تهجيرهم أو قطع الخدمات عنهم.

ورصدت الكاتبة العديد من التغريدات.

كان من بينها "إذا لم يرض معظم ملاك الحي فهذا يعني أن في الأمر خدعة".

وجاء أيضا "هناك حي اسمه '‏الرويس'‏ ستقطع الخدمات عنه لبيعه لمستثمرين".(ميدل إيست أونلاين)

شارك على جوجل بلس