اتفاق روسي أميركي نادر لمنع دمشق من استخدام "الكيماوي"




بيروت - فكر بشار الأسد الذي يتعرض لضغوط متزايدة من مقاتلي المعارضة المصممين على الإطاحة به في استخدام الأسلحة الكيماوية ضد أعدائه لكن واشنطن وموسكو شكلتا حلفا غير متوقع لإجباره على التخلي عن هذه الخطط.

ولا يساور المحللون والدبلوماسيون في أنحاء المنطقة وخارجها أدنى شك في أن حكومة الأسد التي واجهت هجوما مدمرا على مؤسستها الأمنية في الأسبوع الماضي والتي تكافح لاحتواء هجمات للمعارضة في شتى أنحاء سوريا قادرة على استخدام عنصر كيماوي مثل غاز السارين إذا أصبح وجودها مهددا.

ولكن البعض يعتقد أن اعتراف الحكومة الذي لم يسبق له مثيل بأنها تمتلك مخزونا من الأسلحة الكيماوية - رغم أنها في مخازن آمنة ولن يجري استخدامها إلا في مواجهة "معتدين من الخارج" - محاولة لتهدئة الانزعاج الدولي الذي قد يؤدي إلى تدخل خارجي لتأمين هذه الأسلحة.

وقال سلمان الشيخ من مركز بروكينغز في الدوحة "لديهم غريزة قوية لبقاء النظام وهذه قضية لم تعمل بشكل جيد لصالحهم مما يجلب حقا نتائج خطيرة ليست من نوع الأشياء التي كنا نراها إلى الآن من المجتمع الدولي".

ومضى يقول "اعتقد أنهم أرادوا أن يتحركوا سريعا كي يبعدونا عن ذلك لطمأنتنا من عدة وجوه.

"هذا النظام قادر على عمل أي شيء ولكنه شعر أنه في هذه الحالة ستكون هناك عواقب وأنهم ربما يتجاوزون بعض الخطوط الحمراء".

وكان هناك سيل من التحذيرات هذا الشهر بشأن ترسانة سوريا الكيماوية وكانت التصريحات حادة خاصة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لكنها كانت مصحوبة بنصيحة قوية وسرية من روسيا حليفة الأسد الرئيسية بأن يضع حدا للتخمينات بأنه قد يستخدمها.

وقال دبلوماسي غربي في المنطقة "كان هناك حديث عن استخدامها قبل أسبوعين لكن الروس تدخلوا بسرعة لمنع ذلك".

وأضاف الدبلوماسي "إذا تصورنا مدى يأس هؤلاء الناس وما فعلوه في الماضي لا بد من افتراض أنهم سيكونون مستعدين لاستخدامها. كلنا يعتقد أنه (الأسد) قادر على استخدامها وأنه سيستخدمها إذا لم يعد أمامه خيار آخر".

وكان الدبلوماسي يشير إلى تقارير موثوقة على أن الأسد كان يستعد لاستخدام غاز السارين ضد مقاتلي المعارضة. ولكن "الروس منعوه وطلبوا منه ألا يفكر حتى في ذلك".

ومضت موسكو خطوة أبعد الاثنين بتحذير الأسد بألا يستخدم الأسلحة الكيماوية التي قالوا إنها محظورة بموجب تصديق سوريا في عام 1968 على بروتوكول دولي يحظر استخدام الغاز السام في الحرب.

وقالت "الجانب الروسي يتصرف بناء على افتراض أن السلطات السورية ستستمر في الالتزام بصرامة بتعهداتها الدولية".

ويعتقد الدبلوماسي أن البيان السوري عند عدم استخدام الاسلحة الكيماوية ضد المدنيين والذي أعلنه المتحدث باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي صدر بإصرار من روسيا.

وأضاف أنه بالرغم من "النكبة" الدبلوماسية بخصوص سوريا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حيث استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) ضد اتخاذ إجراء أكثر تشددا ضد دمشق "إلا أن هناك مصلحة مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة في السيطرة على الأسلحة الكيماوية".

وتابع قائلا "الإسرائيليون جادون تماما في محاولة منع حدوث ذلك والأميركيون أيضا".

وقال دبلوماسيون إن الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الغربية تجري اتصالات عن كثب بشأن كيفية التعامل مع الاحتمال الكابوسي بأن يفقد الأسد السيطرة على أسلحته الكيماوية وسقوطها في أيدي جماعات متشددة مثل المسلحين الجهاديين السنة الذين يستلهمون نموذج القاعدة أو مقاتلين لبنانيين شيعة موالين لإيران من حزب الله.

وناقشت إسرائيل علانية القيام بتحرك عسكري لمنع وصول الأسلحة الكيماوية أو الصواريخ السورية إلى حزب الله.

واشارت بعض مصادر المخابرات الغربية إلى أن حزب الله والحرس الثوري الإيراني وكليهما حليف وثيق لسوريا أرسلا بعض الوحدات الخاصة لدعم الأسد في حربه ضد المسلحين السنة وقد يسيطران على الأسلحة الكيماوية في حالة حدوث انهيار كامل للسلطة الحكومية.

وحاول حزب الله أن ينأى بنفسه عن المستنقع السوري ولكنه يعتقد أن هزيمة سوريا تعني أن الجماعة قد تكون هي الهدف التالي.

وقال دبلوماسي ردا على سؤال عما إذا كان حزب الله سيسعى للحصول الأسلحة الكيماوية السورية "إذا كنت ترى أن هذا قتالا حتى الموت سواء مع السنة أو الإسرائيليين أو مع كليهما ستكون لديك مصلحة في السيطرة على الأسلحة الكيماوية".

وأضاف "إنه رادع آخر ضد إسرائيل وعصا غليظة يمكن التلويح بها".

وقال الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمس الاثنين إن الأسد سيرتكب "خطأ مأساويا" باستخدام أسلحته الكيماوية.

وقالت واشنطن إنها تراقب عن كثب مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية وإنها "تجري مشاورات نشطة مع جيران وأصدقاء سوريا لإبراز مخاوفهم المشتركة بخصوص أمن هذه الأسلحة والتزام الحكومة السورية بتأمينها".

وبالنسبة للكرملين فإن الكشف عن الترسانة الكيماوية سيضيف إلى مخاوفهم بخصوص المخاطر التي ستشكلها الفوضى في سوريا بالنسبة لروسيا ولكنها لن تدفع لتحول في موقف موسكو من أزمة تسمم علاقاتها مع العرب والغرب.

وبالنسبة للرئيس فلاديمير بوتين فإن طرح فكرة أن التدخل الخارجي غير مقبول تفوق أي مخاوف أخرى عندما يتعلق الأمر بسوريا.

ولكن ديمتري ترنين مدير مركز كارنيغي في موسكو أشار إلى أن روسيا تعمل مع الولايات المتحدة ودول أخرى في محاولة لتأمين الأسلحة الكيماوية أو تبحث ذلك على الأقل رغم أن الكرملين ربما يعتقد أن هناك تضخيما للمخاوف.

وأضاف "اعتقد أن روسيا تعمل مع الجميع ومع الأمريكيين قبل الجميع... بوتين اجتمع مع رئيس الوزراء التركي وكان في إسرائيل وعلى اتصال مستمر مع الأميركيين. وبالطبع لا أحد يريد استخدام الأسلحة الكيماوية ناهيك عن وقوعها في أيدي إرهابيين".

وأضعفت روسيا الجهود الغربية لإدانة الأسد والإطاحة به من السلطة بعد أن عبرت عن غضبها من الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي والتي ساعدت المعارضة الليبية على الإطاحة بمعمر القذافي العام الماضي.

ومنذ أن أعلن بوتين في سبتمبر أيلول العام الماضي أنه يعتزم العودة للرئاسة هذا العام استخدمت روسيا الفيتو ضد ثلاثة قرارات استهدفت تكثيف الضغط على الأسد مما أثار غضب الدول الغربية والعربية التي تقول إن موسكو توفر الحماية لنظام وحشي.

واعتراف سوريا أمس بأن لديها أسلحة كيماوية وبيولوجية وتحذيرها من أنها قد تستخدمها في حالة تدخل دول أجنبية لن يؤدي سوى لتفاقم هذا الخلاف.

وقال ألكسندر جولتس وهو محلل عسكري مستقل "موقف روسيا لا تمليه طبيعة النظام السوري أو أفعاله. وإنما موقف روسيا يمليه إلى حد كبير نهج أيديولوجي... وهو أن الإطاحة بحليف لنا مهما تكن وضاعته انتصار لعدونا".

ولم توقع دمشق اتفاقية عام 1992 التي تحظر الأسلحة الكيماوية ولكن المسؤولين نفوا في السابق أن يكون لديهم أي من هذه الأسلحة.

وذكرت سوريا رسميا أنها بينما تؤيد حظرا شاملا على أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط إلا أنها لا تستطيع التخلي عن الأسلحة الكيماوية طالما أن إسرائيل لا تزال تشكل تهديدا لأمنها.

وبدأت سوريا في عام 1973 في الحصول على قدرة لتطوير وإنتاج عناصر الأسلحة الكيماوية بما في ذلك غاز الخردل وغاز السارين وربما غاز الأعصاب أيضا.

ويقول الموقع الإلكتروني غلوبال سكيوريتي الذي يقوم بجمع تقارير المخابرات المنشورة وبيانات أخرى إن هناك أربعة مواقع مشتبها بها للأسلحة الكيماوية في سوريا: شمالي دمشق وقرب حمص وفي حماة وبالقرب من مدينة اللاذقية الساحلية.

وحدد محللون أيضا بلدة سيرين الساحلية كمنتج محتمل للأسلحة البيولوجية. ويدرج عدد من المواقع الأخرى تراقبها وكالات المخابرات الغربية كمواقع مشتبه فيها فقط. وأضاف الموقع أن من بين الأسلحة التي تنتجها سوريا غاز الأعصاب وغاز السارين وغاز التابون.

والحجم الدقيق للأسلحة في مخزون سوريا غير معروف. ومع هذا قدرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن سوريا لديها مئات اللترات من الأسلحة الكيماوية وتنتج مئات الأطنان من العناصر سنويا.

وقال دافيد فريدمان خبير أسلحة الدمار الشامل في معهد دراسات الأمن الوطني في جامعة تل أبيب "لتحويل العناصر إلى أسلحة يتم صبها في رؤوس حربية.. يمكن أن تكون أي شيء من الصواريخ ذاتية الدفع إلى قذائف المدفعية العادية إلى الذخائر التي تسقط من الجو. الأسلحة يمكن أن تكون صغيرة مثل قنابل المورتر وبعض الأسلحة الكيماوية السورية في وضع الإطلاق بالفعل في شكل رؤوس حربية".

وقال عبد الباسط سيدا رئيس المجلس الوطني السوري المعارض إن نظاما يذبح الأطفال ويغتصب النساء من الممكن أن يستخدم هذه الأنواع من الأسلحة.

وهناك العديد من السيناريوهات لسقوط الأسد لكن السيناريو الأسوأ هو سقوط فوضوي ومضطرب يسيطر فيه المتشددون ومقاتلو المعارضة على ترسانة الأسلحة الكيماوية.

وبينما يقول المراقبون إنه لا يمكن استبعاد استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل حكومة الأسد إلا أنهم يعتقدون أنه ليس وشيكا.

قال دبلوماسي "لا يمكننا استبعاده لكننا ربما نكون بعيدين إلى حد ما عن ذلك السيناريو".

ولكن دبلوماسي آخر قال إن اعتراف الأسد بأنه لديه أسلحة غير تقليدية "عمل يائس من قبل نظام يلتقط أنفاسه الأخيرة يتصرف كحيوان جريح قد يلجأ إلى أي شيء ليقاتل".(رويترز)
شارك على جوجل بلس