تونس بين الاغتيال السياسي وانهيار الترويكا الحاكمة


بقلم: صلاح الدين الجورشي

حصل المحظور، ودخلت تونس بعد اغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد على أيْدي مجهولين، مرحلة جديدة، وهي الجريمة التي أدانها الجميع، بما في ذلك بعض الحكومات الغربية والإتحاد الأوروبي، وزادت في تشويه صورة تونس في الخارج.


وكانت أولى ملامح هذه المرحلة، ما أعلن عنه رئيس الحكومة حمادي الجبالي حول اعتزامه تشكيل حكومة جديدة مصغَّرة، تتشكَّل من كفاءات (أو تكنوقراط)، وتكون مهمَّتها تسيير الأعمال لفترة قصيرة. لكن أصواتا من داخل المكتب التنفيذي للنهضة، أعلنت عن رفض مقترح الأمين العام للحركة، وهو ما أضفى المزيد من الغموض على الأجواء السياسية في البلاد.

 في الواقع، بدأت الأزمة عندما تراجَع أداء الحكومة إلى درجة الإقرار من قِبل جميع الأطراف، بما في ذلك حركة النهضة، بأن التشكيلة الإئتلافية التي استلمت مهامها يوم 26 ديسمبر 2011 أصبحت في حاجة إلى نفَـس جديد بعد أن عجزت عن إقناع الرأي العام، وهو ما جعل من المُناداة بإجراء تعديل وزاري، مِحورا للحياة السياسية لمدّة أشهر خلَت، إلى درجة التندر به، ووصفه بالمُسلسل التركي، لأنه بقي يُراوح مكانه طويلا، دون التوصّل إلى قرار حاسِم، وذلك بسبب التجاذُبات الحِزبية على حساب مصالح البلاد العُليا.

مستقبل مجهول

حادثة اغتيال الأمين العام لحركة الوطنيين الديمقراطيين صبية الأربعاء 6 فبراير 2013 خلطت الأوراق ووضعت التونسيين أمام مستقبل مجهول. ونظرا لحجم الصدمة التي أصابت الجميع وجعلت التونسيين، لأول مرة، يعيشون حالة من الخوف الجماعي، وجد الجبالي نفسه مدعُـوا إلى الإعلان عن قراره، دون الرجوع إلى هياكل حركة النهضة أو استشارة حُلفائه في الإئتلاف، طالِبا من مختلف القوى السياسية والإجتماعية، دعمه في هذا الإختيار الصعب.

 ومن أجل التأكيد على أن قراره خالٍ من اعتبارات ذاتية، شدد الجبالي على أن الذين سيُشاركون في حكومته القادمة، سيلتزمون بعدم الترشح لخوض الإنتخابات المقبلة (الرئاسية والبرلمانية)، بما في ذلك شخصه.
 كانت نية الرّجل إخراج البلاد من عُـنق الزّجاجة، وذلك بالتحرّر نهائيا من وصاية الأحزاب على العمل الحكومي، لكن مُقترحه سُرعان ما تحوّل إلى قنبلة زادت في تعميق الإضطراب السياسي وفجَّرت جَدلا واسِعا بين مختلف الفُرقاء السياسيين. لقد تباينت مواقِف الأطراف الحزبية والمدنية والقانونية، حيث تعدَّدت المُنطلقات واختلفت المصالح والمقاصد.

أول هذه الأطراف، حركة النهضة، التي اجتمع مكتبها التنفيذي برئاسة الشيخ راشد الغنوشي، وقرّر رفْض الصيغة التي أعْلن عنها الجبالي. وعلّل الناطق الرسمي للحركة السيد عبد الحميد الجلاصي هذا الرفض بأن "البلاد ما زالت في حاجــــة إلى حكومة تضُم شخصيات سياسية وائتلافية، تحظى بدورها بقاعدة سياسية".
 وبناءً عليه، استأنفت الحركة مفاوضاتها مع شريكيها في السلطة (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات)، في مسعىً منها لإنقاذ الترويْكا من الانهِيار،  بل إن وليد البناني، أحد أعضاء النهضة بالمجلس التأسيسي، ذهب إلى حدِّ التهديد بأن الحركة "مستعدّة للتضحية بالجبالي وترشيح بديل عنه"، وبالتالي، فما عليه إلا أن يقدِّم استقالته.

انقسام سياسي حادّ

هذا الموقف كشف عن حالة انقِسام سياسي حادّ في صُلب الحزب الحاكم، قد يهدِّد وِحدة الحركة، بعد أن عجزت عن تأمين الشوط الثاني من المرحلة الإنتقالية. كما أن هذا التضارُب في المواقف بين ما يسمّى بجناحيْ الصقور والحمائم، قد أضرّ بصورة الحركة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، وجعلها تبدو في صورة الجماعة الحريصة على البقاء في السلطة بأي ثمن.

 في الوقت نفسه، ليست حركة النهضة الطّرف الوحيد المتمسِّك باستمرار الصيغة الإئتلافية الراهنة، وإنما ينسحب الأمر كذلك على حزب "المؤتمر" المشارِك في الحُكم، والذي عبَّر عن رفضِه لفِكرة حكومة كفاءات. في حين رحّب حزب "التكتُّـل"، الشريك الثالث في السلطة، باقتراح رئيس الحكومة واعتبره فُـرصة لإخراج البلاد من عُـنق الزجاجة.

 في المقابل، انقسمت أحزاب المعارضة، بين مؤيِّـد للفكرة ورافض لها. إذ رحَّـبت عديد الأطراف بمبادرة الجبالي، لكنها تمسّكت بعديد الشروط التي اعتبرتها "أساسية" لدعْم المُقترح، أولها ضرورة أن تتم استشارة الجميع فيما يتعلق بأسماء المرشّحين للحكومة الجديدة. وثانيها، أن يعلن الرجل عن فكِّ ارتباطه بحزب النهضة، التي يتحمَّل فيها مسؤولية الأمانة العامة، وذلك بحجّة أن مسؤوليته الحزبية لا تسمح له برئاسة حكومة تكنوقراط. وأخيرا، ضرورة التوافق على برنامج هذه الحكومة.

 لكن هل يسمح ما يُسمّى بالقانون المؤقت لتنظيم السلط، بتسويغ مقترح رئيس الحكومة؟ هذا سؤال مِحوري شغل أيضا الطَّبقة السياسية واختلف في الإجابة عنه خُبراء القانون الدستوري. ففي حين ذهب البعض إلى القول بأن على الجبالي أن يقدِّم استقالة حكومته إلى المجلس الوطني التأسيسي، وبعدها يمكن لرئيس الجمهورية أن يُعيد اختياره أو أن يطلب من الحزب الحائز على أكبر عدد من المقاعد في المجلس تعْيين مرشّح جديد، في حين ذهب أساتِذة آخرون مختصّون في القانون الدستوري، مثل عياض بن عاشور ورفيق سعيد، إلى أن الفصل الخامس عشر من هذا الدستور المؤقت لا ينطبِق على الحالة الرّاهنة، لأن الجبالي لن يشكِّل حكومة جديدة، وإنما سيقوم بإدخال تعديل وزاري، وهو أمر يندرِج ضِمْن صلاحياته، ولا يستوجب الحصول على موافقة المجلس.


جبهة الدفاع عن الشرعية

دون التقليل من أهمِية الإستِناد الدستوري، إلا أن المشكلة المطروحة حاليا، ليست قانونية بقدْر ما هي سياسية بامتياز. فهناك أزمة حُكم في سياق عام محفوف بالمخاطر الداخلية والإقليمية، إلى جانب شعور أوساط عريضة من التونسيين بأن ثورتهم تكاد تضيع من بين أيديهم، بسبب صعوبات المرحلة وقلّة خِبرة الماسكين بدواليب الدولة، مع تصاعد حدّة الإستقطابات الأيديولوجية والسياسية.

 ومما زاد من حدّة النقاش الدائر، دعوة بعض الأطراف السياسية وكذلك عدد من منظمات المجتمع المدني إلى القول بأن الشرعية الإنتخابية قد انتهت وأن المجلس التأسيسي قد عجز عن إنجاز المهمّة المطروحة عليه، والتي تتمثَّـل في صياغة دستور توافُقي، وهذا التشخيص يقتضي من وِجهة نظر هذه الأطراف الدّعوة إلى تنظيم مؤتمر وطني للإنقاذ يشكِّل قوة مُوازية أو حتى بَديلة عن المجلس التأسيسي، يتولّى تحديد ملامِح المرحلة السياسية القادِمة، وهو ما دفع بحركة النهضة إلى جانب أحزاب وشخصيات عديدة إلى المسارعة بتشكيل ما سُمي بـ "جبهة الدفاع عن الشرعية".

العودة إلى مربّـع الحيرة

في ضوء هذه التطوّرات التي تلاحقت منذ اغتيال الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين المحسوب على أقصى اليسار، عاد التونسيون إلى مربّع الحيرة والبحث عن أفُق مطمئِن.

 وفي هذه المحطّة المفصلية، تجِد حركة النهضة نفسها في مُنعرج خطير وحاسم، إذ بقدْر التسليم بحقّ الحركة في ممارسة السلطة، بعد أن تمّ تفويضها من قبل الشعب، وهو ما جعل أحد قياديِي الحركة يؤكِّد رفض جماعته شطْب نتائِج الانتخابات، إلا أنها في المقابل، لا يمكنها أن تقفز على حجْم الأزمة السياسية التي تعصِف بالبلاد، والتي دفعت بأحد قادتها الذي يتولّى المنصب الأول في السلطة التنفيذية، إلى الإقرار بفشل حكومته واعتبار أن الحلّ يكمُن في تجاوُز منطِق المُحاصصة الحزبية، من خلال الرِّهان على كوادر وطنية مستقلّة.

 والسؤال الآن: هل ستنجح أهمّ حركة سياسية في تونس اليوم في تجاوز هذا المأزق غير المسبوق، فتحمي وحدتها من الانقسام وتحفظ ماء وجه أحد قادتها، الذي قضى جزءً هاما من عُمره في سجون بن علي؟ هذا ما أشار إليه السيد لطفي زيتون، المستشار السياسي السابق لرئيس الحكومة (استقال من منصبه قبل أيام)، حيث  جاء تصريحه في أجواء حمْلة ناقِدة ضدّ الجبالي، يقودها من يُسمِّيهم الإعلام المحلّي بـ "صقور حركة النهضة"، وهذا ما ستؤكِّده أو تنْفيه الساعات أو الأيام القادمة.(سويس انفو)    
شارك على جوجل بلس