بغداد تتلمّس طريقها الثقافي وسط محرّمات الإسلام السياسي





بقلم: فلاح المشعل

 تعيش بغداد احتفالات رسمية شاحبة تحت مسمى "عاصمة الثقافة العربية" في ظل جفاف ثقافي قاحل يأتي بعد عشر سنوات من الانغلاق والتابو الثقافي والجمالي.

ضيوف بغداد وجدوا باستقبالهم عددا من ضباط الجيش وليس رجال فكر وأدب، وثمة اطواق أمنية في مقرات اقاماتهم، وخيمة حفل لافتتاح جاء بصيغة شعارات دعائية مفرغة من اية عمق ثقافي.

وإذ تم تخصص مبلغ 500 مليون دولار اميركي للمناسبة، فأن الحديث عن شواخص فنية وفكرية بات ضربا من الحلم للمثقف العراقي وهو يعيش عزلة نفسية ووظيفية وسط محرمات الإسلام السياسي المهيمن سلطويا.

عشر سنوات لم تشهد بغداد او مدن العراق بناء مسرح، بل اغلقت بعض المسارح القديمة وتحولت الى محال لبيع الخردة. ونسي العراقيون دور العرض السينمائي بعد ان اصبح الحضور اليها جريمة اخلاقية. وجفت انهار الموسيقى في مدينة زرياب والقبنجي حين اضحى الغناء من المحرمات. ولم يزل الأديب يستجدي الوظيفة ويعدها مكرمة من الحكومة، والمفكر المتنور يخشى التصفية الجسدية كما حدث لكامل شياع. فهل ثمة موت اكثر من هذا؟

اعتبار بغداد عاصمة الثقافة العربية وتكريس عام 2013 لهذه الاحتفالية من قبل الجامعة العربية لم يشكل علامة فارقة في واقع الثقافة العراقية. ولن تشكل سؤالأ ملحا لدى المؤسسات الثقافية الرسمية او الأهلية.

سؤال الثقافة اصبح نوعا من البطر وسط مشاعر شعب مشغول بدفن موتاه ورفع الأشلاء وبقايا دمار التفجيرات من الشوارع! ولأن الثقافة تقف في ذيل اهتمام حكومة الفساد والمحاصصة الطائفية، فقد توالى على استيزارها بعض الضباط القدماء، واحدهم ارهابي هارب بعد الحكم عليه بالأعدام! كما اصبح تفكيك البنى الثقافية واندثارها احد علامات النظام الجديد الذي جاءت به قوى الاحتلال.

الانساق الحضارية من فنون جميلة وآداب وأفكار فلسفية مكمل موضوعي للقيم المادية والعلمية في المجتمع، ويمكن للمجتمع ان يعوض النقص الحاصل في حصيلته العلمية والمادية عبر استيراد المنتجات الصناعية والتقنية كما يحصل الآن عندنا باستيراد الكمبيوتر والطائرة والسيارة وغيرها. لكن من غير الممكن ان تستورد ثقافات وفنون وآداب وفلسفات الاخرين وتجعلها غذاء روحيا وادوات بناء معنوي للمجتمع.

كل مجتمع ينتج قيمه الجمالية والروحية وفق الظروف والخصائص النفسية والقيم المادية وتاريخ التكوين والتراكم الحضاري، ولا ضير ان تتلاقح وتتحاور واحيانا تتمازج الثقافات مع الحفاظ على السمات او العلامات التي تميز هذا المنتوج الجمالي او الحضاري عن سواه، وهو ما يحصل لدى غالبية المجتمعات في المعمورة، قديما وحاليا ومستقبلا ايضا.

مطالعة المجتمع العراقي تضعك امام حقيقة الجفاف الثقافي الذي ضربه وعلى نحو مخيف ويشي بأزمة وجودية كبيرة قد بلغها في الأعوام الاخيرة، بل صارت واحدة من علامات التحول الذي طرأ على المجتمع العراقي وجعله يصاب بمرض انفصام الشخصية.

تابوات المجتمع جراء هيمنة الاجواء والتعاليم الدينية الزائفة والمتطرفة تشمل الموسيقى والرقص والمسرح والسينما والفنون الفلكلورية والرسم والنحت، جميعها أصبحت في حكم الممنوع او ضمن دائرة النقد والاستهجان إن لم نقل التحريم الذي تميل له بعض العقليات التي تختلط عندها التعاليم الدينية بالخرافة والعقد النفسية مع نقص العلم!

تلك احد الأسباب المركزية في منع مهرجان بابل الدولي والذي قوامه الرقص والغناء والمسرح والفنون الفلكلورية لشعوب العالم! هذا على النطاق الرسمي، واذا ما عدنا الى الاوساط اللارسمية فنجد موت الفرق الفنية في مدن الجنوب. فالبصرة مثلا التي تعرف بفنون الرقص الشعبي الذي يجمع اللون البحري والمدني والريفي وألوان الغناء والحركات الايقاعية التي تترجم في اغلبها الحياة البصرية وتؤرخ لها، أصبح من يقدم عليها في مرمى نيران الميليشيات الطائفية القاتلة.

ومدينة الناصرية التي تعرف بكونها منهل الشعر الشعبي وفنون الغناء الذي يستنطق المعاناة والأحلام ولوعات الروح، يحرم فيها الغناء!

وكذلك حال في مدن الجنوب جميعا والفرات الاوسط، والى حد بعيد في بغداد مع غلق تام في مدن مثل الانبار والموصل التي تعرف بكونها موئل المقام العراقي وملعب اسحاق الموصلي!

الفنان كما الشاعر والمفكر، انسان منتج للقيم الجمالية والحضارية، وحين يحاصر ولا يجد الاجواء متاحة لعمله وابداعه فأنه يتعرض للصدأ وجفاف الموهبة. هذه الحقيقة تواجه الجميع الان في العراق الجديد، وهي ذات الظواهر التي سادت في المرحلة المظلمة من تاريخ العراق قبل مائة عام واكثر!

ولعل إصرار عدد من الفنانين العاملين في قطاع المسرح ببغداد على مواصلة عملهم وعروضهم للتعبير واطلاق صراخاتهم المحتجة ضد مشروع الابادة التي تتعرض لها الحياة العراقية، خير تمثيل لظاهرة الاحتجاج الثقافي بهدف تثبيت قيم الجمال ونفحات الحضارة ضد عواصف التصحر الروحي والغبار الذي تراكم على الذاكرة الثقافية والجمالية للحضارة العراقية.

اختلال البنى النفسية والاخلاقية والاجتماعية جراء انقلاب المفاهيم والعادات والتقاليد، يؤكد بأن المجتمع العراقي يعيش عصر الردة والعتمة. اما اعتبار بغداد عاصمة الثقافة العربية فهو لا يتعدى المظهر الدعائي للسلطة القائمة، ولم يتفتح صفحة جديدة لقراءة الواقع الثقافي ومعرفة امراضه.

إن الحفاظ على الصيرورة الاجتماعية وجوهر القيم الجمالية والحضارية لا تحققه وزارة الثقافة وعاهاتها المزمنة، وانما يأتي في اطار الجهد الوطني للثقافة الحرة التي تترجم آمال وأحلام الشعب. وهي تأخذ دورها التاريخي في التصدي لمظاهر الفساد الفكري والثقافي والسياسي ايضا.

تلك المهمة لا تدخل ضمن اختصاص الحكومة وحسب انما هي مهمة مجتمع ينبغي ان يقاوم من اجل صيانة ثروته الروحية بعيدا عن صراع الطائفيين المتسلطين ومقابر الإسلام السياسي.(ميدل إيست أونلاين)


شارك على جوجل بلس