من "انقلاب" بورقيبة إلى انقلاب بن علي: هل يعيد التاريخ نفسه؟



بقلم: د. توفيق قريرة

نشرت المجلة الشهرية التونسية "ليدرز" (زعماء) في عدد أبريل الجاري رسالة كان توجه بها بورقيبة يوم 2 فبراير 1990 إلى وكيل الجمهورية بمحافظة المنستير (مسقط رأسه ومقرّ إقامته الجبرية بعد خلعه) يرفع فيها شكوى ببن علي لأنه شدّد عليه السجن وفي إقامة الجبرية في مقرّ محافظة الولاية وقيّد من حركته ومنعه من الخروج إلاّ بإذن وحجر عليه حتى زيارة بيت والده وعمه والالتقاء بمعارفه وأقاربه وأبناء بلدته.


ويطالب بورقيبة أن يُعرض على القضاء ليبت في أمره إن كان أجرم؛ وفي حاشية الرسالة يطلب بورقيبة مقابلة وكيل الجمهورية ليعرض عليه تفاصيل الموضوع ويفيد بشهادات لا يمكن أن يفيد بها في رسالته. ويذكر بورقيبة أنّ فرنسا ستكون إلى جانب تونس ولعله يقصد أنّها ستكون إلى جانبه هو في محنته بما أنّه في رأيها الرئيس الشرعي.


الحقيقة أنّ هذه الرسالة لا يمكن أن تكون مفاجئة لمن عاش أطوار إبعاد بورقيبة عن الحكم وإصدار أوامر صارمة بحبسه في مسقط رأسه وتشديد الرقابة عليه وحرمانه من الزيارات وغيرها من العقوبات التي حرص آخر وزير أوّل لبورقيبة على تطبيقها بعد أن انقلب عليه عام 1987 وحتى وفاة أوّل رئيس للجمهورية التونسية عام 2000.

وليست هذه الرسالة إن صدقت مجرّد وثيقة تاريخية نادرة. إنّها نصّ مشحون بالذكريات والانفعالات يثير في التونسيين وفي كل من يتابع الشأن السياسي التونسي والعربي عامة جملة من الأفكار عن المسار السياسي في البلاد وعن الدورة التراجيدية التي يمكن أن يعرفها السياسي في دولة الاستبداد من البأس إلى البؤس ومن الأسطورة إلى الأمثولة ومن التمجيد إلى التحييد.

يعرف كثير من المطلعين على تاريخ البلاد أنّ بورقيبة حين شكا من حبسه القسري وهو في مسقط رأسه إنّما كان يشكو من شيء كان قد عرفه بسببه آخر باي تونسي بعد أن أطاح به بورقيبة. فبورقيبة الذي كان آخر الوزراء الأوّل في حكومات محمد الأمين باي السبع خلع هذا الباي عن الحكم عام 1957 وأعلن النظام الجمهوري وتولّى رئاسة البلاد ووضع الباي المذكور تحت الإقامة الجبرية بعد أن أجبره على أن يتخلى عن كثير من أملاكه لفائدة الدولة، لكنّ بورقيبة أخلى سبيله عام 1960 قبيل وفاته بعامين؛ وهو عفو لم يتمتع به بورقيبة من بن علي فظلّ في حبسه القسري إلى وفاته. ويعلم الناس أنّ زين العابدين بن علي يلاقي تقريبا نفس المصير في منفاه بعد أن اندلعت الثورة التونسية يوم 14 يناير 2011. لكنّ مصير بورقيبة وجد تعاطفا من كثير من التونسيين لم يجده سلفه ولا حلفه. فالتونسيون لا يتعاطفون اليوم مع خلفه لأنّه لم يكن في مستواه الفكري ولا السياسي ولا حتى الثقافي ولم يكن يوما ما في حجمه لا في المواقف الحساسة ولا حتى في مجرّد القدرة الخطابية بل كان الخلف أكثر من السلف استبدادا واكثر تكريسا للواحدية الحزبية وللانفراد بالسلطة والسعي إلى إطالة عمر حكمه.

ولم يتعاطف التونسيون مع الباي لأنّ بورقيبة كان يرمز لمشروع إصلاحي ينقل الدولة بمقتضاه من الملكية إلى الجمهورية ومن الاستعمار إلى الاستقلال؛ فحبس الباي وإن كان أمرا لا إنسانيا مرّ في ظل التبشير بمشروع حداثي كان التونسيون والعرب عموما متعطشين إليه في فجر الاستقلال. لكنّ هذا المشروع لم يثمر منه إلاّ القليل ولم يعد الحكم آلية من آليات تنفيذه بل مطلبا في ذاته. وكان من الممكن أن يكون بورقيبة الحداثي أكثر فطنة وأكثر وطنية حين يؤسس سنة التداول السلمي على الحكم؛ لكنه لم يفعل وأغرته بطانته بأنّه "المجاهد الأكبر" الذي لا يمكن أن يكون الوطن في أمن دون حضوره.

غير أنّ بورقيبة الذي كان حذرا من خصومه دمويا مع ألدّهم جاء بمن ينتزعه عن عرشه ويجبره على ألاّ يزور حتى دار صباه التي بناها والده وهي لا تبعد عنه مقره إلا قليلا. كان وهو في محبسه يفتقد أيّ محدّث هو من وقف على بابه الآلاف طمعا في نظرة منه أو حتى ضربة من عصاه. انفضّ عنه كلّ من هرولوا إليه ورفعوه على الأعناق لأنهم كانوا يبحثون عن هذا الجديد الذي سكن قرطاج كيف يدخلون إليه من بين يديه ومن خلفه.

ورسالة بورقيبة التي ظهرت للتونسيين بأخرة فيها موقف الآمل من فرنسا البلد التي أعطاه كلّ مجده النضالي وكلّ قوته إبّان حكمه ولكنّه هزمه حين أراد أن يذله ويرجعه إلى حجمه الذي كان يقدره له سواء أكان ذلك في حرب يوليو 1961 غير المتكافئة والملقبة بمعركة الجلاء أم في الصمت القاتل بعد انقلاب بن علي عليه عام 1987.

الأكيد أنّ بورقيبة المحنّك كان يريد لفرنسا أن تتدخّل من أجل أن تنصف بلاده التي ارتبطت بحداثيته وينقذها من رجل قد لا يكون خيرا لها.. ومن الأكيد أنّ بورقيبة الذي كان يرى البلاد قطعة من نفسه مرضا أو هوسا أو حبّا أو غير ذلك كان يرى أنّ البلاد أسيرة كأسره أو ربّما أشدّ.. أو ربّما أراد لفرنسا أن تتدخل لفائدته مثلما تدخلت لفائدة الباي المخلوع. وقد يكون أراد من رسالته حثّ همّة فرنسوا ميتران الرئيس المثقف كي ينهي أزمة الرئيس مثقف سجين ولكن دون جدوى. فالرئيس ميتران الذي ذكره بورقيبة في رسالته بالاسم قد استقبل بن علي في سبتمبر 1988 أي بعد أقل من عام من انقلابه على بورقيبة في فرنسا وفي موكب مهيب؛ وزار تونس في يوليو عام 1991 أي بعد كتابة بورقيبة رسالته بعام وعدة أشهر؛ ومن المستبعد أن يكون ميتران قد خاطب الرئيس الجديد في شأن بورقيبة لأنّ المصالح كانت مشتركة حول ضرب الإسلاميين الذين تمكنوا من أن ينجحوا في ذلك الوقت وتمكن بن علي من سجنهم ونفيهم في بداية التسعينات. لقد قررت فرنسا رسميا التخلي عن بورقيبة قبل كتابة رسالته بوقت كبير مثلما ستقرّر أن تتخلى أيضا عن زين العابدين بن علي في عهد ساركوزي بعد أن ظلت تبارك سياسيته إلى آخر أيام حكمه.

غير أنّ قصة فرنسا لم تنته مع بورقيبة ذلك أنه بالتزامن مع الذكرى 57 للاستقلال أي يوم 20 مارس 2013 دشّن عمدة باريس تمثالا لبورقيبة؛ ويرى ملاحظون أنّ ذلك التكريم ليس إلاّ رسالة مشفرة للدستوريين الجدد في تونس بأنّ فرنسا تدعهم.

إنّ رسالة بورقيبة التي لا يعرف ما إذا كانت قد وصلت إلى وكيل الجمهورية أم لم تصل وما إذا كان الوكيل قد أخبر بورودها أم تستّر عليها.. هي رسالة نادرة لأنّها توصل صوتا من حاكم مظلوم يشكو حاكما ظالما لقاض يعلم جيّدا أنّه لن ينصفه لقصر ميزان عدله.. وهي نادرة إذا ما قورنت بالرسائل الأخرى التي يمكن أن تكون قد كتبت في عهد بورقيبة نفسه إلى حاكم مَا وكتبها مواطنٌ ضعيف لا يقدر على الانتصاف.. لكنّ التاريخ يظل انتقائيا لأنّه يحتفظ لنا برسائل أولي الأمر حتى بعد زوال حكمهم وينسى آلاف الرسائل الأخرى المماثلة فقط لأنّ من حرّرها مواطنون عاديون.

وسواء أكان من يطلق صرخة التحرّر زعيما أم مواطنا فإنّ رسالة بورقيبة يصدق عليها ما قاله الأديب البريطاني سيريل كونّولّي: "يطلق الرجل النحيف الذي وقع في قبضة رجل سمين إشارات يائسة حتى يتحرّر من قيده."

لكنّ أنّ الرجل النحيف والسمين في سياسة الاستبداد متغيّران وتظلّ اللعبة متجدّدة ولن تتوقف إلاّ بزوال دولة الاستبداد لأنّ الناس سيكونون أسوياء لا قوي ولا ضعيف لا صائد ولا مصيد.(ميدل إيست أونلاين)
شارك على جوجل بلس