دستور تونس الجديد.. قطع الطريق على دولة الخلافة دون التخلي عن "إسلام" المجتمع


تونس - يثير دستور "الجمهورية الثانية" الكثير من الجدل بين التونسيين، في وقت يؤكد فيه المراقبون وجود توافق شبه تام بين جميع الأطراف (الإسلاميين والعلمانيين) حول الفصول التي تم إقرارها حتى الآن من قبل المجلس الوطني التأسيسي.

ويؤكد غازي الغرايري (أمين عام الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري) أن ما يميز الدستور الجديد هو تأكيده على مدنية الدولة وعدم قطعه كليا مع الموروث الدستوري السابق في البلاد.


ويضيف "الدستور الجديد كتبته النخبة لكنه صنيع العمق أو عامة الشعب في تونس، وهو بذلك يمثل قطيعة عامة مع طريقة وضع الدساتير في العالم العربي (التي لا يشارك الشعب عادة بكتابتها)".

ويؤكد الخبير الدستوري أن الدستور الجديد يراد به استكمال ما أخفقت به دولة الاستقلال منذ عام 1956 وحتى اليوم، مشيرا إلى أن تونس عرفت الدولة الوطنية "التي نجحت نسبيا في تحقيق الرقي الاجتماعي للشعب، لكنها أخفقت في مسألة المساواة والمشاركة الديمقراطية".

وكان المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان) بدأ الجمعة التوصيت على الدستور الجديد الذي من المنتظر أن تتم المصادقة عليه كليا بحلول 14 كانون الثاني/يناير الحالي وهو تاريخ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وبدأ الجدل حول الدستور التونسي الجديد منذ الفصل الأول الذي تم الاتفاق لاحقا على الاحتفاظ بصيغته المأخوذة من دستور الجمهورية الأولى الذي تم وضعه عام 1959، مع بند يمنع تعديله تحت أي ظرف.

وينص الفصل الأول بصيغته الجديدة على أن "تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها. لا يجوز تعديل هذا الفصل".

ويقول الغرايري إن الفصل الحالي يمثل حلقة ربط بين المورث الدستوري التونسي والدستور الجديد، مشيرا إلى وجود فصل آخر (الفصل الثاني) يؤكد أن تونس دولة مدنية تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

ويرى البعض أن الفصلين الأول والثاني يقطعان الطريق على "دولة الخلافة" التي بشرت بها بعض الأطراف المحسوبة على التيار الإسلامي، في إشارة إلى اقتراح نواب من حركة النهضة الإسلامية اعتماد الإسلام كمصدر الأساسي للتشريع.

ويشير الغرايري (وهو عضو أيضا في لجنة الخبراء بالمجلس التأسيسي) إلى أن المجلس رفض في وقت سابق عدة مشاريع لتعديل الصيغة النهائية (الرابعة) للدستور الجديد، أبرزها "جعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للدستور، وإضافة مصدر جديد للقانون لا يعتمد على تشريع البرلمان وإرادة الشعب".

ويضيف "من أراد أن ينزع الإشارة إلى إسلام المجتمع فشل، ومن أراد أن يجعل من تونس دولة 'ثيوقراطية' (دينية) فشل أيضا".

وكانت إجراءات المصادقة على الدستور تعطلت في المجلس التأسيسي إثر إعلان النائب المعارض منجي الرحوي (الجبهة الشعبية) صدور فتوى بقتله بعدما اتهمه النائب حبيب اللوز (حركة النهضة) عبر إحدى الإذاعات الخاصة بمعاداة الاسلام.

وقال الرحوي لصحيفة "المغرب" المحلية "أبلغتني مصالح وزارة الدّاخليّة بصدور فتوى بإهدار دمي، دون تقديم أي تفاصيل حول الجهة الّتي أصدرت الفتوى أو أي معلومات تمكّن من حصر الشبهات".

وتبرأت حركة النهضة من تصريحات اللوز، وقالت في بيان ان "ما صدر عن عضو الكتلة (البرلمانية للنهضة) حبيب اللوز في حق النائب منجي الرحوي لا يعبر عن موقف الحركة ولا تقره بأي وجه".

ودفع الحادث المجلس التأسيسي إلى إدخال تعديل جديد على الفصل السادس من الدستور، جرّم بموجبه "التكفير والتحريض على العنف".

وينص الفصل السادس في صيغته المعدلة على أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يُحجَّرُ التكفير والتحريض على العنف".

ويعترض الغرايري على التعديل الجديد الذي "كُتب تحت تأثير العاطفة والانفعال"، مشيرا إلى أن تجريم التكفير هو من اختصاص القانون الجنائي وليس الدستور الذي يفترض أن يكتب برصانة وبعيدا عن العاطفة.

ويضيف "الدستور هو عقد اجتماعي ومهمته هي وضع القواعد الكبرى التي تستنبط منها القوانين التفصيلية لاحقا، وإن كتب لهذا الفصل أن يبقى على حاله، سنبقى نذكر أن هذا الفصل في فقرته الثانية هو وليد تلك الحادثة، وهذا لا يجوز في المجال الدستوري".

وكان المجلس صادق الاثنين على فصل جديد في الدستور (35) حظر بموجبه على قوات الجيش تأسيس نقابات، كما صادق وقت سابق على فصلين آخرين (17 و18) أعطى بموجبهما طابعا "جمهوريا" لقوات الأمن والجيش وألزمهما بـ"الحياد التام" عن الأحزاب السياسية.

ويرى بعض المراقبين في المصادقة على هذه الفصول محاولة من البرلمان لقطع طريق السياسة أمام الجيش، ومنعه من تكرار التجربة المصرية في تونس.

لكن الغرايري يؤكد أن "دسترة الجيش واعتباره مؤسسة جمهورية" هو اعتراف من كاتب الدستور بدور الجيش في "الثورة" التي أدت لرحيل النظام السابق، مشيرا إلى أن الجيش فضل الوقوف مع الحراك الشعبي ورفض استخدامه من قبل السلطة لقمع هذا الحراك.

ويضيف "البلدان التي يلعب فيها الجيش دورا سياسيا أو معدلا للخارطة السياسية لم تنتظر فصولا في الدستور حتى يقال للجيش افعل هذا أو ذاك، وبالتالي لا أظن أن فصلا في الدستور يغير من طبيعة الجيش، لكنه يبين ثقافة دستورية وبنية مختلفة للدولة والجيش في تونس".

وكانت ناشطات رحبن الاثنين بمصادقة المجلس على فصل جديد يقر "المساواة" بين الجنسين في "الحقوق والواجبات" و"أمام القانون"، ما يعطي نساء هذا البلد وضعا حقوقيا فريدا من نوعه في العالم العربي.

وينص الفصل العشرون من الدستور على أن "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".

وكانت حركة النهضة قدمت في 2012 للمجلس التأسيسي مشروع قانون ينص على مبدأ "التكامل" بين الرجل والمرأة عوضا عن "المساواة"، وهو ما أثار موجة احتجاجات من قبل المعارضة التي اعتبرت أن مقترح النهضة "مدخل لضرب المكتسبات الحداثية للمرأة التونسية"، وانتهى الأمر برفض المشروع لاحقا من قبل المجلس.

ويقول الغرايري "هذا الفصل الذي فرضته الجماهير التونسية منذ 13 آب/أغسطس 2013 يتحدث عن المواطنين والمواطنات، بمعنى أن المساواة تغطي المرأة والرجل وجميع الأقليات".

لكنه يشير إلى "إشكاليات" قد تعترض تطبيق هذا الفصل لاحقا على أرض الواقع.


يذكر أن رئيس الحكومة التونسية علي العريض (قيادي بحركة النهضة) قدم استقالة حكومته الخميس، فيما بدأ رئيس الحكومة المكلف مهدي جمعة مشاورات مضنية لتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة وفق خارطة الطريق التي وضعها الرباعي الراعي للحوار الوطني.(ألوان نيوز)
شارك على جوجل بلس